تاريخ السرقات العلمية يعود إلى عصور قديمة، حيث بدأت جذورها في العصر اليوناني ثم تطورت في التراث الإسلامي الذي وضع أسس الأمانة العلمية. ومع ظهور الطباعة في القرن الخامس عشر والثورة العلمية في الغرب، اتسعت لتشمل براءات الاختراع والكتب. ومن أبرز القضايا الحديثة المتعلقة بهذا الموضوع هو الانتحال الأكاديمي الذي أثير حول كتاب “قوت القلوب الدمرداشية”، مما أدى إلى استقالة الوزيرة المعنية، ورغم ذلك لا تزال الضجة مستمرة.

وقد اطلعت على رأي علمي للدكتورة هالة فؤاد، أستاذ الأدب الفرنسي وصاحبة العديد من الكتب والأبحاث المشهورة، حيث تناولت مشروعية الاقتباس وحدوده في ضوء الأحداث المثارة حاليًا. رأيها حول الكتاب محل النزاع يستحق العرض بأمانة، حيث لا أعتبر نفسي طرفًا في القضية سواء مع الوزيرة أو الزميلة.

على الرغم من توافر العديد من المراجع الفرنسية حول “قوت القلوب”، إلا أن معظمها يركز فقط على إنتاجها الأدبي. بينما يتناول كتاب الأستاذة سهير عبد الحميد سيرتها الحياتية المثيرة والمميزة. ويتميز الكتاب بجمع معلومات تحت تصنيف الصحافة الاستقصائية من مصادر مباشرة ولقاءات مع حفيد قوت القلوب ومع المسؤول عن الطريقة الدمرداشية، مما يعد سبقًا وتفردًا يُنسب لصاحبته.

تُعد قوت القلوب أول سيدة مصرية تكتب رواياتها باللغة الفرنسية وتنشرها في فرنسا مع دار نشر Gallimard الشهيرة. وقد كتب مقدمات رواياتها كتّاب بارزون مثل جان كوكتو وبول موران وأندريه مورويس، مبدين إعجابهم بكتاباتها التي تمزج بين المحلية واللغة الفرنسية البليغة.

كانت قوت القلوب شخصية بارزة في المجتمع أثرت الحياة الثقافية من خلال صالونها الأدبي ودعمها للكتاب المصريين. كما أنها منحت نجيب محفوظ أول جائزة عن روايته “رادوبيس”، مما ساهم في إخراجه من حالة اليأس التي عاشها بسبب عدم الاهتمام بكتاباته.

أما كتاب الوزيرة المستقيلة فهو يقوم على مقارنة بين هذه السيدة الفريدة وكوكو شانيل صاحبة بيت الأزياء الشهير. وقد تساءلت قبل القراءة عن زاوية المقارنة وليس فقط عن مدى الاقتباس الموجود من كتاب الأستاذة سهير. وبعد القراءة لم أجد ما يقنعني بالتشابه بين كوكو شانيل وقوت القلوب أو أي نقاط تقاطع تستدعي هذه الدراسة المقارنة؛ إذ لم تكن إشكالية البحث مقنعة بالنسبة لي.

لم أجد في سيرة كوكو شانيل المذكورة في الكتاب أي جديد عما تم تقديمه سابقًا في مسلسل “Coco before Chanel” الذي تناول قصتها وعُرض على نيتفليكس. كما أن كتاب الوزيرة المستقيلة لم يتضمن أي معلومات جديدة عن قوت القلوب لم تذكرها الأستاذة سهير.

الكتاب يعتمد بشكل كبير على النقل المباشر من المسلسل وكتاب الأستاذة سهير دون أي إضافة أو محاولة لربط مقنع بين الشخصيتين. كما أن الإشارة إلى كتاب الأستاذة سهير في الهوامش لا تمنح الوزيرة حرية النقل كما تشاء؛ فكل طالب جامعي يعرف حدود الاقتباس وعدم جواز النقل بكثافة من مصدر واحد، مما يضع هذا العمل ضمن خانة السرقة العلمية ويعرض البحث للرفض. هذه هي المبادئ الأساسية لكتابة البحث العلمي التي نقوم بتدريسها للطلاب.

يفتقر الكتاب إلى الهوامش (footnotes/endnotes)، والاقتباسات تأتي بطريقة غير واضحة مثل: “تؤكد الكاتبة سهير عبد الحميد في كتابها أن…” مما يجعلنا نجهل حدود الاقتباس من النص المنشور.

بشكل عام، الكتاب خفيف الحجم (117 صفحة) ويحتوي على العديد من الصور لكنه يفتقر لمنهجية البحث العلمي وأبجدياته، ولا يتضمن أي وجهة نظر للباحث أو إضافة تُحسب له، مما يعزز ما قيل عن وجود كاتب ظل لا يجيد أصول الكتابة الأكاديمية والبحثية على الرغم من أنها أستاذة جامعية حاصلة على درجة الدكتوراه.

يشير الكتاب أيضًا إلى علاقة بين كوكو شانيل وضابط نازي خلال الحرب العالمية الثانية والتي أدت بعد انتهاء الحرب إلى توقيف كوكو واستجوابها حول علاقتها بالضابط الألماني. ورغم أنه لم تُوجه لها تهمة التخابر رسميًا، فإن البعض لا يزال يعتبر تلك العلاقة خيانة لوطنها! هل تعتبر هذه خيانة أن تكون على علاقة بالمحتل؟

صدر الكتاب عن الهيئة العامة للكتاب، وهذه النقطة تحديدًا تدفعني لاستنتاج نتيجة مهمة أتمنى أن يتم الالتفات لها مستقبلًا: إذا كانت بعض دور النشر الخاصة تسمح لنفسها بنشر الأعمال الضعيفة والسخيفة بحثًا عن الربح التجاري دون تدقيق في المحتوى.. فلا يليق بدار نشر ذات اسم وتاريخ طويل أن تتبع نفس النهج دون مراجعة دقيقة لما تنشره من أعمال هزيلة. هذه سقطة كبيرة وإهدار للمال العام (خصوصًا بعد منع الكتاب من التداول) تستوجب المحاسبة والتحقيق.