استجبت لرغبة ابنتي في حضور حفل انتهاء دراستها في المرحلة الثانوية، جلست بين الحضور بجوار زوجتي وبناتي، نتبادل النظرات مع أمثالنا الذين دفعوا ثمن التذاكر أو ثمن الفرحة بلحظات ذكر أسماء أبنائنا وتسليمهم الشهادات، وفرحتنا أيضًا بتلك الاستراحة القصيرة من الدروس الخصوصية المغالى في أسعارها، ومن توجيهات المدرسين بأن يكون التعامل بيننا همسًا طوال فترة الدرس.

قبل الحفل بساعة، لفت نظري ومعي الكثيرون تلك السيدة التي تخترق الصفوف لتجلس في الصف الأول، ثم تعاود السير بين الحضور مرة بعد أخرى، يسير خلفها حارس خاص يرتدي نظارة سوداء ظلت على وجهه حتى انتهاء الحفل ليلًا، وأمامها مصور يطاردها بالكاميرا ليرصد كل تحركاتها.

كثيرون كانوا يهمسون نفس الهمس الذي يفرضه علينا المدرسون أثناء حصص الدروس الخصوصية، الهامسون كانوا يسألون: من هذه السيدة؟ هي ليست مديرة المدرسة ولا مديرة الإدارة ولا مندوبة عن جهة معينة. استقر الجميع في أماكنهم وبدأ الحفل، كنا نصفق فرحين بإطلالة أبنائنا بالروب والكاب، حتى جاءت الإجابة على السؤال الذي كان القاسم المشترك بين الحضور.. من هذه السيدة؟

كان لها تقديم خاص.. والآن مع الإعلامية الكبيرة، وقالوا اسمها. كان طبيعيًا أن تسألني زوجتي ومن بعدها بناتي: هل تعرفها؟ أقسمت أنني لا أعرفها ولم أنل شرف رؤيتها على الشاشة. وهذه هي المرة الأولى التي أسمع فيها اسمها، وقلت إنها ربما تعمل في قناة عربية أو أجنبية. وأثناء الكلمة التي ألقتها والتي لا أعرف سببًا لها..

بدأت أشعر أنها من مذيعات قنوات بيع الهواء، وبعد الحفل كان العمال في المدرسة يمهدون لها الطريق للمرور بين الحضور (وسع الطريق علشان الست المذيعة تعدي). سألت أحد العمال: في أي قناة تعمل الست المذيعة؟ وبرد العامل تأكدت أنها كانت تشتري هواء في بعض القنوات المعروفة ببيع الهواء.

نسيت ابنتي وبدأت أفكر في الوضع الذي آل إليه الإعلام وفي المصطلح الإعلامي الذي أصبح مستباحًا. فكرت في حفاوة البسطاء بمن يظهر أمام الكاميرا حتى لو كان بفلوسه، وفي توجيهات الرئيس بعقد مؤتمر سنوي لمناقشة أوضاع الإعلام، وفي المسؤولية التي تاهت بين وزارة الدولة للإعلام والمجلس الأعلى للإعلام والهيئة الوطنية للإعلام ونقابة الإعلاميين.

ثم تساءلت: أين مخرجات الحوار الوطني الخاصة بالإعلام؟ وأين مخرجات المؤتمر الذي ترأسه رئيس المجلس الأعلى للإعلام بلجانه الكثيرة؟ وأين مخرجات المؤتمرات التي نظمتها نقابة الإعلاميين وكليات الإعلام في الجامعات المختلفة؟ هل ننسى كل هذا وتكون البداية يوم الثالث من ديسمبر المقبل وفقًا لتوجيهات الرئيس؟

عندما كان لدينا ماسبيرو وقناتين فقط تتبع القطاع الخاص لم يكن الإعلام قضية تستحق كل هذا النقاش. وعندما كان لدينا ثلاثة برامج فقط هي: البيت بيتك والعاشرة مساءً و90 دقيقة، كان المواطن المصري والعربي يسهر معها حتى لو استمرت لساعات متأخرة من الليل. واليوم لدينا عشرات القنوات ومئات البرامج وميزانيات أكبر ومع ذلك تراجع الإعلام وتاهت المسؤولية.

أتمنى أن يكون مؤتمر ديسمبر المقبل مختلفًا عن مؤتمرات كثيرة سبقته وأن يكون بداية لإعلام جاد يليق بمصر خاصة أننا لدينا ما نبني عليه في القطاعين العام والخاص.