عند ظهيرة يوم 15 أغسطس 1945، انقطع صمت شوارع طوكيو المحترقة بصوت لم يألفه اليابانيون من قبل؛ كان صوت الإمبراطور هيروهيتو ينساب عبر أثير المذياع في بث مسجل، معلنا استسلام الإمبراطورية اليابانية ونهاية الحرب العالمية الثانية.
مرت 81 عامًا على ذلك اليوم الذي أعاد تشكيل آسيا والعالم، لتعود قاعة “نيبون بودوكان” في حي تشيودا بالعاصمة طوكيو، اليوم السبت، وتلتزم الصمت نفسه عند الظهيرة، مستذكرة إرثًا ثقيلاً وحصيلة دامية بلغت نحو 3.1 مليون قتيل بينهم نحو 2.3 مليون عسكري وحوالي 800 ألف مدني قُتلوا خلال الحرب.
لكن المراسم الوطنية لهذا العام، التي جمعت أكثر من 4000 مشارك بينهم العائلة الإمبراطورية والقيادة السياسية وعائلات الضحايا، لم تكن مجرد استرجاع رمزي لمرارات الماضي، بل عكست تباينًا لافتًا في مقاربة التاريخ؛ فبينما واصل القصر الإمبراطوري التعبير عن “الندم”، اختارت الحكومة الجديدة صياغة حذرة تجنبت استحضاره أو التعبير عنه.
مفارقة “الندم”: تباين الخطاب بين الإمبراطور ورئيسة الوزراء
أعرب الإمبراطور ناروهيتو، الذي شارك في المراسم إلى جانب الإمبراطورة ماساكو، عن “ندمه العميق” حيال مآسي الحرب، مجددًا ترديد العبارة التي دأب على اعتمادها كل عام: “بالنظر إلى فترة السلام الطويلة التي أعقبت الحرب واستحضارًا لماضينا ومشاعر الندم العميق، أتمنى مخلصًا ألا تتكرر أهوال الحرب أبدًا”.
وأضاف الإمبراطور: “إنني آمل أن نواصل نقل ذكريات المعاناة التي كُبدت خلال الحرب وبعدها، وأن نسعى بروح متحدة نحو السلام وسعادة الشعب في المستقبل”.
في المقابل، لفتت رئيسة الوزراء ساناي تاكايتشي الأنظار بتجنبها استخدام كلمة “الندم” أو الإشارة المباشرة إلى الاعتداءات والانتهاكات التي ارتكبتها القوات اليابانية في آسيا، بما في ذلك الصين وشبه الجزيرة الكورية. وقد حضرت هذه المراسم للمرة الأولى منذ توليها المنصب في أكتوبر الماضي.
وابتعدت تاكايتشي عن النهج اللفظي لسلفها شيجيرو إيشيبا، الذي كان أول زعيم ياباني يدرج مفردة “الندم” في خطاب 15 أغسطس منذ 13 عامًا متعهدًا بـ”التزام حاسم بالتخلي عن الحرب”. وعدلت تاكايتشي العبارة التقليدية التي استخدمها أسلافها “يجب ألا نكرر أهوال الحرب أبدًا” إلى صيغة اعتُبرت أقل حزمًا: “يجب ألا تتكرر أهوال الحرب”، مضيفة: “رغم مرور 81 عامًا ومهما دار الزمان، سنظل متمسكين بهذا التعهد الحاسم وننقله عبر الأجيال”.
وأكدت رئيسة الوزراء أن طوكيو “سلكت بثبات طريق الدولة التي تثمن السلام وبذلت كل ما في وسعها من أجل السلام والازدهار العالميين”، مشددة على أن حاضر البلاد بُني على تضحيات أولئك القتلى. وتعهدت تاكايتشي بالعمل على استعادة رفات المفقودين في الحرب العالمية الثانية باعتبارها “المسؤولية القصوى الملقاة على عاتق الأمة” فضلاً عن مساعيها لجعل اليابان “منارة تعتمد عليها دول منطقة الهند والهادئ”.
عقدة “ياسوكوني”: مناورة دبلوماسية وغضب إقليمي
تزامن الخطاب مع حذر دبلوماسي في التعامل مع ضريح “ياسوكوني” في طوكيو الذي يكرم نحو 2.4 مليون ياباني سقطوا من بينهم 14 مدانًا بجرائم حرب من الفئة الأولى ما يجعله في نظر بكين وسيول رمزا للنزعة العسكرية القديمة.
ورغم اعتيادها زيارة الضريح بانتظام وتعهداتها السابقة، آثرت تاكايتشي عدم الذهاب شخصيًا تفاديًا لإشعال أزمة مع جيرانها في آسيا واكتفت بإرسال قربان طقسي. وأدت فور وصولها قاعة التأبين طقس انحنت فيه مرتين وصفقت مرتين ثم انحنت مجددًا باتجاه الضريح الواقع عبر الشارع.
لكن هذا الامتناع لم يمنع تفجر الغضب الدبلوماسي؛ إذ توجه وزير الدفاع شينجيرو كويزومي وثلاثة مسؤولين تنفيذيين في الحزب الحاكم لزيارة الضريح وتقديم القرابين وهي خطوة نُظر إليها كمسعى لمغازلة القواعد اليمينية لتاكايتشي التي تواجه تراجعًا في شعبيتها جراء تعديلات خلافة العائلة الإمبراطورية.
ودافع كويزومي عن موقفه مستندًا إلى تصريحات سابقة اعتبر فيها أن تكريم من ضحوا بدمائهم للوطن “أمر طبيعي”. وقد قوبلت هذه الزيارة باحتجاج رسمي من وزارة الخارجية الصينية التي اعتبرت الخطوة محاولة لـ”تغيير الحكم الصادر بحق مجرمي الحرب والتغطية على جرائم الحرب اليابانية وتشويه الحقائق التاريخية وتمهيد الطريق لتسريع التسليح والعسكرية” داعية طوكيو إلى “مراجعة جادة للذات”.
على العكس من ذلك اتسم الموقف في سيول بنبرة براغماتية؛ حيث شدد رئيس كوريا الجنوبية لي جاي ميونج على أن التعاون المشترك “أكثر أهمية من أي وقت مضى” داعيًا إلى بناء علاقات ثنائية جديدة تضيء بفرص واعدة حياة المتضررين من آلام الماضي تحت ظلال التاريخ.
تحولات العقيدة العسكرية
تأتي هذه المحطة التاريخية في توقيت تشهد فيه السياسة الدفاعية اليابانية تحولات ملموسة تجلت في رفع قياسي للإنفاق الأمني وتخفيف القيود المفروضة على تصدير العتاد العسكري وسط توترات جيوسياسية متصاعدة بالشرق الأوسط وحساسية بالغة في مضيق تايوان خصوصا بعد تصريحات سابقة لتاكايتشي اعتبرت فيها أن أي استهداف لتايوان قد يمثل “وضعاً يهدد بقاء البلاد مما يفتح الباب أمام تدخل قوات الدفاع الذاتي لمساندة أمريكا.”.
وداخل قاعة التأبين بدت معركة الحفاظ على الذاكرة حاضرة بقوة؛ فرغم أن أكثر من 60% من أسر الضحايا المشاركين تخطت أعمارهم حاجز الـ70 عامًا حرصت أجيال شابة على الحضور لحمل أمانة الشهادات الشفهية. وعبر تاكيشي كاناموري صاحب الـ84 عامًا الذي فقد والده في جزيرة لوزون الفلبينية وتحدث ممثلاً عن عائلات القتلى عن قلقه من استمرار النزاعات والضحايا حول العالم متمنياً أن “يعم السلام في أسرع وقت ممكن.”.

