لا تُدار الجامعات فقط بمنطق التصنيفات العالمية، ولا يُعتبر رئيس الجامعة ناجحًا لمجرد أن مؤسسته ظهرت في قائمة دولية أو انتقلت عدة مراكز في تصنيف ما، أو نشرت بيانات تتحدث عن “طفرة” و”إنجاز” و”تقدم عالمي”.
التصنيفات الدولية أدوات مهمة للقياس والمقارنة، لكنها ليست الغاية النهائية من وجود الجامعة. فالجامعة لا تُنشأ من أجل تحسين موقعها في جدول دولي، وإنما من أجل تقديم تعليم أفضل، وبحث علمي أكثر تأثيرًا، ومستشفيات أكثر كفاءة، وخدمات أكثر عدالة، وبيئة عمل أكثر احترامًا. كما يجب أن يشعر الخريجون والعاملون وأعضاء هيئة التدريس بأن المؤسسة أصبحت أقوى عند انتهاء فترة القيادة مقارنة ببدايتها.
عندما تمتد فترة الإدارة إلى نحو 1270 يومًا، يصبح السؤال المشروع ليس: كم خبرًا نُشر عن التصنيفات؟ ولا: كم مرة وردت عبارات “التقدم الدولي” و”الإنجاز العالمي” في البيانات الرسمية؟ وإنما: هل أحدثت هذه الفترة تحولًا مؤسسيًا واضحًا يمكن للطالب والمريض والباحث وعضو هيئة التدريس والموظف أن يشعروا به؟ وهل تحسن ترتيب الجامعة تحسنًا نوعيًا حقيقيًا يتناسب مع حجم الخطاب الإعلامي المصاحب له؟ وهل انتقلت جامعة أسيوط إلى شريحة عالمية أفضل؟ وهل انعكس الاهتمام بالتصنيفات على جودة التعليم والبحث والتوظيف والخدمات والحوكمة؟ أم ظل جزء كبير من المشهد محصورًا في الحفاظ على الموقع القائم مع تحسن محدود في بعض المؤشرات وعدم حدوث اختراق في المؤشرات العالمية العامة؟
هذه الأسئلة لا تمثل اتهامًا لشخص أو حكمًا مسبقًا على إدارة معينة، وإنما تندرج ضمن الحق المشروع في تقييم أداء مؤسسة عامة وقيادتها باستخدام بيانات منشورة ومؤشرات قابلة للمراجعة مع احترام حق الرد والتمييز بين الحقيقة الموثقة والرأي التحليلي.
من التصنيف إلى الأثر: أين يجب أن يبدأ التقييم؟
تولى الدكتور أحمد كمال المنشاوي رئاسة جامعة أسيوط في فبراير 2023 واستمرت الفترة محل القراءة حتى 31 يوليو 2026. خلال هذه المدة، احتلت التصنيفات الدولية مساحة ملحوظة من الخطاب الإعلامي الرسمي للجامعة. ولا يوجد اعتراض من حيث المبدأ على الاهتمام بالتصنيفات؛ فهي تمنح الجامعة وسيلة للمقارنة الخارجية وتكشف نقاط القوة والضعف وتساعد في تحسين البحث العلمي والتدويل والسمعة الأكاديمية وعلاقات الجامعة بسوق العمل.
لكن الإشكالية تبدأ عندما تتحول أداة القياس إلى مركز الخطاب الإداري أو عندما يُقدّم مجرد الظهور في التصنيف باعتباره إنجازًا مكتملًا دون تحليل موقع الجامعة الحقيقي أو التمييز بين التحسن العددي والتحول النوعي أو مقارنة النتائج بخط الأساس الذي كانت الجامعة تقف عنده قبل بداية الفترة.
الحفاظ على شريحة عالمية قائمة قد يكون أمرًا إيجابيًا في ظل المنافسة المتزايدة لكنه ليس مساويًا للانتقال إلى شريحة أفضل. والتحسن في تصنيف بحثي لا يعني بالضرورة تحسن جودة التدريس أو بيئة العمل. والتقدم في تصنيف الاستدامة لا يثبت وحده عدالة القرارات الإدارية أو سرعة الاستجابة للشكاوى أو تنفيذ الحقوق.
لهذا يعتمد التقييم المؤسسي الرشيد على قراءة مجموعة متكاملة من المؤشرات، لا على اختيار التصنيف الذي يمنح الصورة الأكثر إشراقًا ثم تقديمه بوصفه التعبير الكامل عن أداء الجامعة.
خط الأساس كان قائمًا قبل بداية الفترة
من أهم القواعد العلمية في تقييم أي قيادة تحديد نقطة البداية التي تسلمت عندها المؤسسة.
فقبل صدور قرار تعيين رئيس الجامعة الجديد بأيام، نشر الموقع الرسمي لجامعة أسيوط في 30 يناير 2023 أن الجامعة جاءت ضمن الشريحة العالمية من 1001 إلى 1200 في تصنيف QS كما أشار إلى موقعها بين الجامعات المصرية المدرجة في التصنيف.
وهذا يعني أن وجود الجامعة داخل هذه الشريحة لم يبدأ خلال الفترة محل الدراسة وإنما كان قائمًا قبلها. ومن ثم لا يصح من الناحية المهنية تقديم استمرار الجامعة في الشريحة نفسها باعتباره انتقالًا جديدًا تحقق بالكامل خلال الإدارة الحالية.
كما كانت جامعة أسيوط قد جاءت في المركز 29 عربيًا في تصنيف الجامعات العربية الصادر عن Times Higher Education لعام 2022 أي قبل بداية الفترة محل التحليل.
ولا تعني هذه الإشارة إنكار أي جهود لاحقة لكنها تضع النتائج في سياقها الصحيح؛ فبعض المؤشرات موروثة من فترات سابقة وبعضها نتيجة لعمل تراكمي يمتد عبر سنوات وبعضها فقط يمكن ربطه بصورة مباشرة بالسياسات التي تبنتها القيادة خلال فترة إدارتها.
ستة إصدارات من QS والشريحة لم تتغير
تكشف قراءة نتائج QS أن جامعة أسيوط ظلت في الشريحة العالمية من 1001 إلى 1200 في إصدار 2022 وهو الإصدار السابق للفترة ثم استمرت في الشريحة نفسها بإصدارات 2023 و2024 و2025 و2026 و2027. وبذلك لم تنتقل الجامعة خلال هذه السنوات إلى شريحة عالمية أعلى كما لم تهبط إلى شريحة أدنى.
هذه النتيجة يمكن قراءتها من زاويتين. الزاوية الأولى أن الجامعة استطاعت المحافظة على وجودها داخل الشريحة نفسها رغم اتساع المنافسة وزيادة أعداد المؤسسات الداخلة في التصنيف. أما الزاوية الثانية فهي أن المحافظة على الموقع لا تمثل اختراقاً ولا تبرر وحدها خطاباً يوحي بحدوث قفزة عالمية.
فالجامعة التي ظلت بين المركزين 1001 و1200 قبل بداية الفترة ثم بقيت في النطاق نفسه بعد نحو 1270 يومًا تحتاج إلى مراجعة مدى فاعلية خطط تحسين السمعة الأكاديمية والاستشهادات لكل عضو هيئة تدريس والتدويل وسمعة الخريجين لدى جهات التوظيف وشبكات البحث الدولية.
ولا يُفهم من ذلك أن التصنيف لم يشهد أي حركة داخلية في المؤشرات الفرعية وإنما المقصود هو أن النتيجة النهائية في التصنيف العالمي العام لم تنقل جامعة أسيوط إلى شريحة أفضل.
وهنا يصبح السؤال المؤسسي المشروع: إذا كان تحسين التصنيفات قد احتل مساحة كبيرة من الخطاب الرسمي فما الأسباب التي حالت دون حدوث انتقال نوعي في QS طوال الفترة؟
هل المشكلة تكمن في السمعة الدولية؟ أم معدل الاستشهادات قياساً إلى أعداد أعضاء هيئة التدريس؟ أم محدودية التدويل؟ أم ضعف الصلة المؤسسية بسوق العمل؟ أم أن جهود تحسين التصنيف لم تُبنَ على خطة طويلة الأجل ذات مؤشرات مرحلية معلنة؟
تصنيف CWUR: تحسن رقمي لا ينبغي إنكاره ولا المبالغة فيه
على خلاف حالة الثبات التي شهدتها QS أظهرت نتائج مركز تصنيف الجامعات العالمية CWUR تحسنًا عدديّاً متتابعاً لجامعة أسيوط.
ففي عام 2024 جاءت الجامعة بالمركز 1101 عالميًّا والمركز 17 إفريقيًّا والخامس على المستوى المصري بينما بلغ ترتيبها البحث العلمي 1050 وحصلت على درجة إجمالية بلغت 69.9.
وفي عام 2025 تحسن الترتيب العالمي إلى المركز1026 والتصنيف الإفريقي إلى المركز16 مع بقاء الجامعة بالمركز الخامس مصريًّا كما تحسن ترتيب البحث العلمي ليصل إلى 978 بينما ارتفعت الدرجة الإجمالية لتصل لـ70.5.
وفي إصدار عام 2026 انتقلت الجامعة للمركز999 عالميًّا من بين أكثر من واحد وعشرين ألف مؤسسة تناولها التصنيف وجاءت بالمركز15 إفريقيًّا وظلت خامسة على المستوى المصري وتحسن ترتيب البحث ليصل لـ957 بينما ارتفعت الدرجة الإجمالية لـ70.6 وبذلك تحسن ترتيب الجامعة عالميًّا بمقدار102 مركز بين عامي2024 و2026 وتحسن ترتيب البحث بنحو93 مركزاً بينما ارتفعت الدرجة الكلية بمقدار0.7 نقطة.
هذه نتائج إيجابية لا يصح إغفالها كما لا يصح نسبتها جميعاً بصورة تلقائية لقرارات إدارية قصيرة الأجل لأن البحث العلمي والاستشهادات نتائج تراكمية قد تمتد لسنوات وتشارك فيها أجيال متعددة من الباحثين وقيادات وأقسام ومراكز مختلفة.

