الأربعاء 12/أغسطس/2026 – 11:29 ص 8/12/2026 11:29:30 AM .

لم تعد “الحياة الكريمة” مجرد مفهوم أخلاقي أو رفاهية اجتماعية نطمح إليها، بل أصبحت غاية يسعى المرء لتحقيقها في ظل معطيات متغيرة وضغوط اقتصادية متزايدة. لكن السؤال الذي يطرح نفسه اليوم هو: هل أصبحت الحياة الكريمة حقاً مكفولاً للجميع أم باتت حصراً على “من استطاع إليها سبيلاً”؟
الحياة الكريمة تعني الحد الأدنى من الأمان، وهو مسكن ملائم، ودخل يغطي الاحتياجات الأساسية، ورعاية صحية لائقة وتعليم يضمن للأبناء مستقبلاً أفضل. إلا أن الواقع اليوم يُظهر بوضوح أن الوصول إلى هذا الحد الأدنى يتطلب إمكانيات وأدوات لم تعد في متناول الكثيرين.
عبارة “من استطاع إليها سبيلاً” تُسلط الضوء على الفجوة المتزايدة بين التطلعات والواقع، فالقدرة على مواكبة متطلبات العصر لم تعد تعتمد على الجهد الفردي وحده، بل على الفرص المتاحة ومدى قدرة الأفراد على التكيف مع مهارات السوق الجديدة وتوافر شبكات الحماية الاجتماعية التي تدعم الضعفاء قبل السقوط.
المجتمعات القوية لا تُقاس بمدى رفاهية طبقتها القادرة، بل بمدى قدرتها على مساعدة “من لا يستطيع” حتى يجد إلى الحياة الكريمة سبيلاً.
لطالما ارتبطت “الحياة الكريمة” في وجدان الشعوب بمعاني العدل والستر والحرية. وهي ليست ترفاً ينتظره البعض، ولا منّة تمنحها الحكومات، وإنما هي حق أصيل لكل إنسان وغاية تسعى إليها الدول والمجتمعات.
فهل الحياة الكريمة متاحة للجميع؟ أم أنها لمن “استطاع إليها سبيلا”؟
الإجابة تكمن في معادلة ثلاثية: دولة توفر السبيل، ومجتمع يمهد الطريق، وفرد يسعى ويعمل.
أولاً سبيل الدولة.. تهيئة الفرص. لا يمكن الحديث عن كرامة بلا أساس مادي ومعنوي توفره الدولة. ويتمثل “سبيل الدولة” في:
كرامة الجسد: سكن آمن وماء نظيف وغذاء صحي وصرف صحي يحفظ الإنسان من الأمراض.
كرامة الصحة: نظام علاجي عادل ومستشفيات تليق بالمواطن وتأمين صحي يحميه من عثرات الدهر. فلا كرامة لمريض يخشى ثمن الدواء.
كرامة العقل: تعليم جيد يبني الإنسان ويمنحه أدوات المستقبل، لا مجرد شهادة على الجدار.
كرامة الرزق: فرص عمل شريفة وسوق منضبط بلا احتكار وقانون يحمي العامل والمنتج.
كرامة النفس: عدل ناجز وإجراءات ميسرة ومعاملة إنسانية في جميع مؤسسات الدولة.
إذا غاب أي من هذه العناصر، تعثر “السبيل” الذي تمهده الدولة.
ثانياً سبيل المجتمع. وهو شريك لا يقل أهمية. فالتاجر الذي يحتكر والطبيب الذي يستغل والموظف الذي يرتشي والإعلام الذي يروج للتفاهة كلهم يهدمون ما تبنيه الدولة.
المجتمع الكريم هو الذي يحترم العمل ويقدر العلم ويرحم الضعيف ويحاسب المخطئ. فالمجتمع الذي لا يرحم أبناءه لا يمكن أن ينعم بحياة كريمة.
ثالثاً سبيل الفرد.. السعي والعمل. وهنا يأتي المعنى الأعمق لعنوان “لمن استطاع إليها سبيلا”.
فالاستطاعة لا تعني المال فقط، بل تعني الإرادة والسعي والعمل. الكرامة لا تُمنح لمن يجلس ينتظر.
من تعلم مهارة جديدة فقد فتح لنفسه سبيلاً. من رفض الرشوة وحفظ أمانته فقد صان كرامته. من دبر أمره بالقليل وخطط للكثير فقد بدأ الطريق. من ربى أبناءه على الشرف والعمل فقد ضمن مستقبلاً كريماً.
رابعاً أوهام تعطل السبيل:

  • وهم الاتكالية: انتظار أن تفعل الدولة كل شيء وحدها.
  • وهم الضحية: ترديد “الظروف صعبة” دون محاولة لكسرها.
  • وهم المظهر: الاعتقاد أن الكرامة في السيارة الفارهة بينما الحقيقة أنها في عزة النفس والكفاية.
  • وهم الاستعجال: طلب النتائج فوراً ونسيان أن بناء الإنسان يحتاج صبراً.

كما أن الحج فريضة لمن استطاع فإن “الحياة الكريمة” هي فريضة وطن. استطاعة الدولة أن توفر والمجتمع أن يساند والفرد أن يسعى. فإذا التقت الإرادات الثلاث وُلد وطن لا يخاف فيه جائع من الجوع ولا مريض من المرض ولا شاب من المستقبل.