“المنفيون الجزائريون في المشرق… تاريخ عائلة مغربي بين الهجرة والذاكرة والهوية المطموسة”، هو عنوان الكتاب الصادر عن دار “لارماتان” للمؤلف والباحث عبد الله س. مغربي، بترجمة عربية أنجزها عقيل الدبيش، وقدّم له أستاذ الفلسفة ستيفان دوايييه.
يجمع الكتاب بين السرد العذب والكشف عن صفحات مجهولة من التاريخ العربي، حيث يتتبع المؤلف مصير الجزائريين الذين غادروا بلادهم إلى فلسطين وسوريا ولبنان والأردن عقب الاحتلال الفرنسي للجزائر. يستند في ذلك إلى مزيج من الوثائق الأرشيفية والروايات العائلية والتحليل التاريخي، ليعيد رسم خريطة منسية للهجرة الجزائرية نحو المشرق ويكشف كيف تشكّلت هويات جديدة تحت وطأة المنفى والاستعمار.

في كتابه، يمزج المؤلف بين التاريخ العائلي الشخصي والقضية العامة التي تهم القارئ العربي الراغب في التعلم من دروس الماضي لفهم الحاضر والاستعداد للمستقبل، مما يمنح العمل حميمية في التناول وحسا إنسانيا يخفف من وطأة حديث الوثائق والاستقصاء التاريخي.

واللافت أن معظم الدراسات السابقة تناولت التاريخ الجزائري من زاويتين رئيسيتين: الاستعمار الفرنسي والهجرة إلى فرنسا. بينما يلفت الكاتب هنا الانتباه إلى مسار آخر ظل بعيدًا عن الاهتمام، وهو انتقال آلاف الجزائريين شرقا إلى بلاد الشام. استقر هؤلاء داخل أراضي الدولة العثمانية وعاشوا التحولات الكبرى التي شهدها المشرق، من الانتدابين الفرنسي والبريطاني إلى نكبة فلسطين عام 1948. لكنهم لم يكونوا مجرد مهاجرين، بل كانوا جزءًا من حركة تاريخية واسعة أعادت تشكيل المجتمعات والهويات على ضفتي البحر المتوسط.
ينطلق الكتاب من قصة عائلة مغربي كنموذج يضيء تجربة آلاف العائلات الجزائرية التي اقتلعتها ظروف الاحتلال وفقدان الأرض وتفكك البنى الاجتماعية لتبدأ حياة جديدة في مدن مثل حيفا وصيدا ودمشق وبيروت.

ومن خلال هذا المسار الشخصي، يتحول التاريخ العائلي إلى مدخل لفهم تاريخ إقليمي أوسع يربط الجزائر بالمشرق ضمن فضاء متوسطي واحد. ويستند المؤلف أيضًا إلى تجربته الشخصية؛ فقد نشأ في لبنان داخل أسرة جزائرية استقرت في بلاد الشام منذ أجيال قبل أن يهاجر إلى أستراليا ويحصل على الدكتوراه في الاقتصاد ويعمل باحثًا في السياسات العامة.

وقد دفعه هذا التكوين الأكاديمي مقرونًا بذاكرة عائلية ظلت حاضرة في تفاصيل الحياة اليومية إلى البحث عن جذور تلك الحكايات في الوثائق التاريخية، محولًا الروايات الشفوية إلى مشروع بحثي استغرق سنوات طويلة. وتبرز قوة الكتاب في منهجيته العلمية الصارمة؛ فالمؤلف لا يكتفي باستعادة الذكريات بل يختبرها عبر الوثائق ويقارن بين المصادر المختلفة، واضعًا كل معلومة في سياقها السياسي والقانوني.

كما اعتمد الكاتب على مصادر أرشيف فرنسية وبريطانية وعثمانية وعربية، بالإضافة إلى السجلات القنصلية والوثائق الدينية وعقود الملكية وسجلات المحاكم والمراسلات الإدارية والخرائط والصور التاريخية. يعكس هذا التنوع طبيعة الموضوع الذي امتد عبر دول عدة وأنظمة قانونية مختلفة ما تطلب إعادة تجميع شتات الوثائق لصياغة رواية تاريخية متماسكة.

ورغم ذلك، لا يتعامل المؤلف مع الأرشيف بوصفه عنوانا قاطعا للحقيقة بل يضع الوثائق في حوار متبادل؛ فقد تفسر وثيقة عثمانية سجلًا قنصليًا فرنسيًا أو تُكمل وثيقة عقارية رواية احتفظت بها إحدى العائلات لتتشكل في النهاية صورة أكثر دقة عن حياة الجزائريين في المشرق.

ومن خلال هذا الأسلوب يعيد رسم شبكات الوجود الجزائري في مدن مثل حيفا وعكا والقدس ودمشق وبيروت وصيدا وعمّان كاشفًا أدوار التجار والحرفيين ورجال الدين وملاك الأراضي والمعلمين في الحياة الاقتصادية والاجتماعية لتلك المدن. كما يكشف الكتاب عن مشروع بحثي متواصل؛ إذ يعمل عبد الله س. مغربي على إصدار كتاب ثانٍ يعتمد على وثائق عثمانية ودينية لم تُدرس من قبل لإعادة بناء تفاصيل الحياة اليومية للمهاجرين الجزائريين في بلاد الشام بما يشمل أماكن إقامتهم وعمليات شراء العقارات والزيجات وتقسيم الميراث وعلاقاتهم بالمجتمع المحلي.

ويرى المؤلف أن هذا العمل يكتسب أهمية إضافية في ظل تصاعد الاهتمام العالمي بقضايا الهجرة والشتات والهوية لأنه يثبت أن حركة الشعوب ليست مجرد انتقال جغرافي بل قوة تصنع الثقافات والذاكرة الجماعية عبر الأجيال. ومن هنا يبدو “المنفيون الجزائريون في المشرق” مرشحًا لأن يصبح مرجعًا رئيسيًا لدراسة تاريخ الجزائر وبلاد الشام والبحر الأبيض المتوسط لما يقدمه من مادة وثائقية واسعة ومنهج بحثي دقيق ورؤية جديدة تعيد الاعتبار لصفحات ظلت مهمشة في التاريخ العربي الحديث.