كل شيء بحساب وبقدر معلوم، هذه بديهية خالق وخبرة مخلوقات. إن زاد الشيء عن حده انقلب ضده، حكمة المخلوقات على مر العصور. الدواء يحتاج إلى جرعات محددة محسوبة، ولو أسرف المريض أو ممرضه في الجرعة قد يودي ذلك بحياته. وكذلك الحال في الإعلام والسياسة، وكلاهما وجهان لعملة واحدة.
لذا توجد السياسات الإعلامية التي يضعها فاهمون، وهؤلاء ليسوا فقط علماء وخبراء وأساتذة، بل أيضاً ممارسون ومهنيون بينهم سياسيون بارعون. يدرك هؤلاء طبيعة نفسية الجماهير وكيفية تحريكها وتفكيكها، ويستطيعون توجيهها بذكاء وفعالية، مثلما تفعل المياه تحت التربة بجذور النبات، حيث نرى أثرها في النمو والازدهار.
نقول ذلك بسبب الجرعة الإعلامية الدرامية احتفاءً بنجاح المنتخب الوطني في الوصول إلى دور الـ16 في كأس العالم، وبأدائه المهاري الذي طمأن الجماهير بوجود منتخب كرة قدم يعتد به ويعتمد عليه.
بالطبع فرحنا جداً، وفي الواقع كنا وما زلنا بحاجة إلى الفرح. خرجت الانفعالات بشكل هيستيري، وهذه طبيعة جماهير كرة القدم في أي بقعة من العالم. ومن الطبيعي أن تخرج جماهير مصر لاستقبال الفريق بالزغاريد وكاميرات الهواتف المحمولة.
كرمت الدولة الفريق وعلى رأسها رئيس الجمهورية عبد الفتاح السيسي، وتناول اللاعبون معه الغداء في لقاء أبوي، كما شهد الاستاد احتفالية ضخمة. وفي اليوم التالي، تزامن مع كل هذه الأمطار الغزيرة من مشاعر الفرحة هدايا مليونية وعقارات وبرامج بملايين الجنيهات. ومع انحسار التفاخر والتباهي بدأ المواطن العادي يحسب كم صار لدى كل لاعب كرة قدم من ملايين في رصيده وكم يمتلك من الفيلات والشاليهات بينما انقلب يحسب كم رغيف خبز تمويني في بيته!
تلك هي النقطة الفاصلة والمفارقة الكبرى. ثم تبلغ الصدمة مداها الأقسى حين يكتب عالم كبير في الزراعة والموارد المائية هو الدكتور نادر نور الدين عن رفض جامعة القاهرة توفير 1500 دولار له لحضور مؤتمر لمنظمة الأغذية والزراعة في سبتمبر القادم بالدنمارك لمدة ثلاثة أيام، وهو الذي أعد أبحاثاً ضافية مشرفة لهذا المؤتمر.
فإذا بالجامعة تبلغه بقرار رئيس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولي المنشور في الجريدة الرسمية بإيقاف مساهمة الجامعات في نفقات سفر الأساتذة لحضور المؤتمرات العلمية العالمية ترشيداً وتوفيراً للنفقات.
لم يكن العالم المصري يحسد لاعبي ومدربي وإداريي كرة القدم بل كان يتآسى لحاله ويشعر بالغبن. وعندما كتب ذلك تعمق الشعور العام بقدر المفارقة: حكومة تحتفي وتنفق وتذلل الصعاب للمنتخب وهو أمر مطلوب، بينما ترى في سفر العلماء للمشاركة بالمؤتمرات العلمية جرعة غير واجبة!
ما كتبه كان وجع الجميع، وبخاصة حين طالب الأثرياء برعاية الجامعات والأساتذة وتمويل أبحاثهم. ومن الحق القول إن ما كتبه خلق أثراً وصحح موقف الجامعة إذ أبلغه رئيس الجامعة الدكتور محمد سامي أن المشكلة سوف تحل ولن يحرم باحث مرموق من عرض أبحاثه في المحافل الدولية.
إغداق بالملايين هناك وتقتير معيب هنا وفي غير محله. لذا نهيب بالدكتور مصطفى مدبولي مراجعة قراره هذا وحفظ حياء وكرامة الدكاترة وأساتذة الجامعات. يكفي مرتباتهم المهينة حقاً والمبكية التي تعد مهزلة في سوق المرتبات بمصر!
الجرعة الزائدة عمقت الشعور بالمقارنة وتحولت مشاعر الجماهير من الفرح إلى عد الأرغفة في المطبخ. ما وقع يكشف بوضوح عن غياب الرؤية السياسية لإخراج المشهد برمته ومداه وحجمه وعمقه وكثافته. ومتى يتم وكيف تتم عملية الانسحاب والسحب التدريجي؟ غياب العقل السياسي الإعلامي خلق الآن مشاعر قاسية أقلها الحقد والمقارنات!

