في 29 يناير 2024، عاشت الطفلة الفلسطينية هند رجب لحظات حرجة بين الحياة والموت، خلال محاولة عائلتها النزوح من منطقة تل الهوا جنوب غرب مدينة غزة هربًا من حرب الإبادة الإسرائيلية. تعرضت السيارة لقصف إسرائيلي أدى إلى مقتل عمها وعمتها وثلاثة من أبناء عمومتها، بينما بقيت هند على قيد الحياة مؤقتًا، عالقة داخل السيارة.

براءة طفلة لم تتجاوز الخامسة من عمرها دفعتها للبحث عن طوق نجاة عبر الاتصال بجمعية الهلال الأحمر الفلسطيني، طالبة المساعدة؛ لم تطلب دمية أو أمها أو البحر الذي أحبته، بل كانت فقط تريد النجاة. لكن غزة، التي اعتادت أن تخطف أحلام أطفالها فجأة، لم تمنح هند وقتًا لتكبر أكثر؛ حيث عُثر على جثتها لاحقًا إلى جانب جثامين أفراد عائلتها وجثامين اثنين من المسعفين الذين حاولوا إنقاذها، في 10 فبراير 2024 بعد انسحاب القوات الإسرائيلية من المنطقة.

رحلت هند، لكن صورتها ظلت حاضرة في ذاكرة الكاتب والناشط السياسي اللبناني الأصل البلجيكي الجنسية دياب أبو جهجة، الذي استحضر مأساتها بوصفها جرحًا مفتوحًا وصدى إنسانيًا موجعًا لما جرى في غزة، وكأن صوتها بقي عالقًا بين الحكاية والذاكرة يرفض أن يخفت أو يُنسى.

مؤسسة هند رجب

على الرغم من الرحيل، تحول حضور هند اللافت في وجدان أبو جهجة إلى فكرة لم تهدأ ثم إلى مؤسسة تحمل اسمها، وكأن الاسم نفسه صار محاولة لتأجيل الغياب. ومن قلب العاصمة البلجيكية بروكسل وُلدت المؤسسة في 12 أكتوبر 2024 بهدف ملاحقة ومحاكمة القيادات والجنود الإسرائيليين المتورطين في جرائم حرب وإبادة جماعية في غزة. عملت المؤسسة على توثيق عدد من الانتهاكات الإسرائيلية عبر فيديوهات منشورة على مواقع التواصل الاجتماعي وحددت هوية العديد من الجنود الإسرائيليين الذين نشروا أدلة على جرائمهم بأنفسهم.

كانت أولى الملاحقات في مايو 2025 عندما أقامت المؤسسة شكوى جريمة حرب أمام المحكمة الجنائية الدولية بعدما حددت أن اللواء المدرع 401 هو الوحدة المسؤولة عن استشهاد هند وعائلتها. كما ذكرت أن قائد اللواء حينها، المقدم بني أهارون هو المسؤول المباشر وطالبت بإصدار مذكرات توقيف دولية بحق المتورطين.

دعمت مؤسسة هند رجب دعواها بتحقيق استقصائي نشرته جريدة واشنطن بوست الأمريكية استنادا إلى صور أقمار صناعية وشهادات ميدانية أكدت وجود أربع مركبات عسكرية إسرائيلية على بعد أقل من 300 متر من موقع الحادث مع غياب أي اشتباكات أو تهديدات أمنية مما اعتبر دليلاً على أن الاستهداف كان مباشراً ومتعمداً.

نشأة في قلب العاصفة

وُلِد أبو جهجة في 24 يونيو 1971 في بلدة حانين بمحافظة النبطية بجنوب لبنان ورحل إلى بلجيكا عام 1991 قبل أن يتم عامه العشرين. حصل على صفة لاجئ عام 1996 ونال درجة الماجستير في العلوم السياسية من الجامعة الكاثوليكية في لوفان قبل أن يصبح بلجيكي الجنسية.

فعاليات نشطة من لبنان إلى أوروبا

واصل أبو جهجة نشاطاته السياسية عبر الأراضي الأوروبية دون أن ينفصل عن وطنه الأم؛ حيث أكد في مقابلة أجرتها معه جريدة نيويورك تايمز الأمريكية عام 2003 أنه تلقى بعض التدريب العسكري ضمن صفوف حزب الله وما زال فخوراً بذلك.

وفي اليوم التالي لبدء حرب لبنان الثانية عام 2006 قال في مقال نشرته جريدة الشرق الأوسط السعودية إنه لم يعد يرغب في الكتابة أو الحديث لأن فلسطين ولبنان والأمة العربية كلها تنزف. وأشار إلى أنه يفكر فقط في إيجاد طريقة للدخول إلى الوطن والتواجد بين شعبه وقد يكون هذا آخر نص يكتبه قبل العودة إلى الوطن.

تهديدات إسرائيلية رسمية بالاستهداف

امتدت التهديدات إليه ما هو أبعد من الاستهداف الإعلامي؛ حيث هدده ما يعرف بوزير شؤون الشتات ومكافحة معاداة السامية في إسرائيل عميحاي شيكلي قائلاً: “مرحبا بالناشط في حقوق الإنسان، راقب جهاز النداء الخاص بك”، مشيراً بذلك إلى هجوم سابق نفذته سلطات الاحتلال ضد عناصر حزب الله عبر جهاز المناداة اللاسلكي “البيجر”.

لم تكن “مؤسسة هند رجب” مجرد صرخة رمزية؛ إذ أجبرت وزير الأمن القومي الإسرائيلي المتطرف إيتمار بن غفير على إلغاء زيارته إلى نيويورك للمشاركة في مؤتمر دولي بعد تقديم شكوى للسلطات الأمريكية تطالب باعتقاله فور وصوله بتهمة ارتكاب جرائم حرب بما فيها الجرائم بحق مواطنين أمريكيين والتحريض على الإبادة الجماعية وفق تقرير نشرته جريدة “هآرتس” الإسرائيلية بتاريخ 4 يوليو 2026.

ملاحقة مجرمي الحرب مثل الظل

في يوم الاثنين الماضي ذكر موقع “والا” الإسرائيلي عن دعوى أقامتها مؤسسة هند رجب ضد عضوي الكنيست الإسرائيلي رام بن باراك وموشيه سولومون مطالبة بالتحقيق معهما بتهمة “التحريض العلني على الإبادة الجماعية”.

وبحسب المؤسسة استغل عضوا الكنيست منصبيهما للترويج لسياسات تستهدف تهجير السكان الفلسطينيين من قطاع غزة كما أدليا بتصريحات تمثل تحريضاً على الإبادة الجماعية وفق القانون الدولي؛ حيث يتهم بن باراك بالتحريض على التهجير القسري لسكان غزة وهو ما يندرج ضمن التحريض على الإبادة الجماعية فيما دعم سولومون استمرار قتل الفلسطينيين وتهجيرهم من غزة.

تختلف الوجوه وتتبدل الحكايات والقصص بينما يصر أبو جهجة على مواصلة الطريق مستعيداً تصريحات وسام حمادة والدة هند أمام الأمم المتحدة في مايو 2026 قائلةً: ابنتي أعدمت بـ335 رصاصة اخترقت جسد طفلة كانت قبل أيام تختار كعكة عيد ميلادها وتخطط للذهاب إلى البحر؛ هذه ليست أرقاماً في التقارير؛ هؤلاء بشر لهم وجوه وذكريات وحياة.. هل تعرفون كيف يشعر الطفل حين يجوع ويبدأ برسم الطعام بدلاً من أكله؟