بين الدعوة إلى فرض ضريبة على الثروات كوسيلة لتحقيق العدالة الضريبية وزيادة إيرادات الدولة، والتحذير من آثارها السلبية على الاستثمار والأسعار، انقسمت آراء ثلاثة خبراء اقتصاديين حول إمكانية تطبيق هذا الاقتراح في مصر.

فبينما يرى البعض أن توجيه العبء الضريبي نحو أصحاب الثروات الكبيرة بدلاً من محدودي الدخل يعد خطوة إيجابية، حذر آخرون من أن فرض الضريبة قد يؤدي إلى هروب الاستثمارات أو تحميل المواطنين تكلفتها. بينما أكد رأي ثالث أن العقبة الرئيسية ليست في الفكرة نفسها، بل في صعوبة حصر وتتبع الثروات ومصادرها داخل السوق المصرية.

تسعى مصر لزيادة الإيرادات الضريبية بنسبة 27% خلال العام المالي 2026-2027 من خلال جذب ممولين جدد طواعية ودون أعباء إضافية، مستهدفة ضم 100 ألف ممول جديد للنظام الضريبي المبسط والمتكامل بحوافز وتسهيلات غير مسبوقة، وفقًا لما ذكره أحمد كجوك وزير المالية في وقت سابق.

بدائل ضريبية مقترحة لجذب أصحاب الثروات

يقترح الدكتور حسن الصادي الأكاديمي والخبير الاقتصادي على الحكومة اللجوء إلى بدائل ضريبية تستهدف أصحاب الثروات الكبيرة بدلاً من فرض الضرائب على أصحاب الدخول البسيطة والصناعات الصغيرة، مستندًا إلى تجارب دولية تطبق ضرائب على صافي الثروات.

ويشرح الصادي لـ”مصراوي” أن الحكومة يمكن أن تتجه إلى خيارات أخرى لزيادة الإيرادات العامة، بما في ذلك فرض ضرائب أعلى على الثروات الكبيرة.

كما يشير الخبير الاقتصادي إلى أن تطبيق ضريبة على الثروات الكبيرة يمكن أن يحقق أرقاماً تفوق حصيلة ما يتم جمعه من أدوات الدين الحكومية، مضيفًا أن السياسات الاقتصادية يجب أن تركز على تحسين مستويات الدخل والقدرة الشرائية للمواطنين.

كشفت بيانات وزارة المالية عن أن الإيرادات الضريبية بموازنة مصر خلال أول عشرة أشهر من العام المالي الماضي تمثل 87% من إجمالي الإيرادات العامة لمصر.

وارتفعت حصيلة الضرائب بنسبة 38% خلال أول عشرة أشهر من العام المالي الجاري (من يوليو إلى أبريل) لتصل إلى 1.710 تريليون جنيه، فيما زادت إيرادات موازنة مصر بنسبة 19% لتبلغ 1.976 تريليون جنيه خلال نفس الفترة.

هل يوجد مبرر لفرض ضرائب على كبار الأثرياء؟

بخلاف الصادي، يرى الدكتور رشاد عبده الخبير الاقتصادي ورئيس المنتدى الاقتصادي المصري أن أصحاب المشروعات ورجال الأعمال يدفعون مختلف أنواع الضرائب المستحقة على أنشطتهم واستثماراتهم. ويتساءل عن مبرر فرض ضريبة عليهم بعد سداد التزاماتهم الضريبية للدولة. ويوضح لـ”مصراوي” أن تضخم ثروة رجال الأعمال لا يعني بالضرورة غياب المساهمة الضريبية، لأن رجل الأعمال يسدد الضرائب المستحقة على مشروعاته وأرباحه، سواء كانت الثروة موروثة أو ناتجة عن نشاط اقتصادي. ويؤكد أنه لا يرى مبررًا لفرض عبء ضريبي جديد لمجرد امتلاك الشخص ثروة كبيرة.

11 دولة تطبق ضريبة الأثرياء

أظهرت بيانات منصة تاكس جلاس المتخصصة في مقارنة الأنظمة الضريبية أن 11 دولة فقط من أصل 193 دولة تفرض ضريبة سنوية على صافي الثروة، بينما لا تطبق 182 دولة هذا النوع من الضرائب حتى عام 2026.

وتصدرت إسبانيا قائمة الدول الأعلى في ضريبة الثروة بمعدل 3.5%، تلتها سورينام بنسبة 3% ثم بوليفيا بـ2.4% وكولومبيا بـ1.5%. بينما جاءت النرويج في المركز الخامس بنسبة 1.1%.

وضمت القائمة أيضًا الجزائر والأرجنتين وتونس بمعدل 1% لكل منها ثم سويسرا بنسبة 0.9% وفنزويلا بنسبة 0.3% وأخيرًا أوروجواي بنسبة 0.1%.

ويضيف الدكتور رشاد عبده أنه سبق لوزير المالية الأسبق هاني قدري دميان مناقشة فكرة ضريبة الثروة وطرح تصور يسمح لرجال الأعمال بتوجيه قيمة هذه الضريبة لتنفيذ مشروعات تنموية بدلاً من سدادها للخزانة العامة، موضحًا أن التجربة استندت إلى نماذج مطبقة في بعض الدول مثل ألمانيا بشرط إثبات ذلك للدولة.

ويشير إلى أن هذا النموذج قد يحقق منفعة عامة عبر تنفيذ مشروعات تنموية ولكنه قد يفتح الباب أيضًا أمام استغلال سياسي إذ يمكن لرجال الأعمال توجيه تلك المشروعات نحو مناطق تحقق لهم أو لأحزابهم مكاسب سياسية أو انتخابية، مما يجعل تطبيق الفكرة محل جدل.

من جهته يقول هاني توفيق الخبير الاقتصادي إن ضريبة الثروة مطبقة في عدد من دول العالم ولكنها تُفرض عادةً على ثروات ناتجة عن أنشطة اقتصادية مشروعة ويمكن تتبع مصادرها بسهولة.

في الوقت نفسه يتزايد الجدل عالميًا حول فرض ضرائب على كبار الأثرياء؛ إذ يشير تقرير مختبر اللامساواة العالمي إلى أنه يمكن لضريبة ثروة سنوية بنسبة 2% على أصحاب الثروات التي تتجاوز 100 مليون دولار توفير أكثر من 500 مليار دولار سنويًا بما يعادل نحو 0.45% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي مع تأثيرها على نسبة قليلة جدًا من السكان.

هل يمكن تطبيق الفكرة في مصر؟

تختلف حدود الإعفاء من ضريبة الثروة بين الدول التي تطبقها وفق تشريعات كل دولة؛ ففي النرويج تبدأ الضريبة عند الأفراد الذين تتجاوز ثروتهم الصافية حوالي 1.9 مليون كرونة نرويجية (نحو 197 ألف دولار).

وفي سويسرا تبدأ الضريبة عند نحو 80 ألف فرنك سويسري للعازبين في زيورخ وحوالي83 ألف فرنك في جنيف.

أما في إسبانيا فتبدأ ضريبة الثروة الإقليمية عادةً عند حوالي700 ألف يورو بينما يبدأ تطبيق “ضريبة التضامن” عند ثروات تتجاوز3 ملايين يورو.

وفي كولومبيا خُفض حد الإعفاء مطلع عام2026 ليصبح ما يعادل حوالي530 ألف دولار وفي أوروغواي يبدأ الخضوع للضريبة عند ثروة تبلغ حوالي120 ألف دولار للأفراد و240 ألف دولار للأسر.

يتابع الدكتور رشاد عبده بأن فكرة فرض ضريبة الثروة طُرحت خلال لقاء جمع الرئيس السيسي برجال الأعمال إلا أنهم أبدوا اعتراضهم عليها معتبرين أنها قد تؤثر سلبًا على بيئة الاستثمار وتدفع بعض المستثمرين لنقل استثماراتهم لدول لا تفرض مثل هذه الضرائب مما دفع الحكومة للتراجع عن الفكرة آنذاك.

ويضيف أنه لا تتوقف القضية فقط عند تأثيرها على الاستثمار بل إن المستثمر قد يعوض ما يدفعه للدولة عبر رفع أسعار السلع والخدمات مما يعني تحميل المواطن تكلفة الضريبة بشكل غير مباشر عبر زيادات سعرية خاصةً مع ضعف الرقابة على الأسواق.

ويوضح أنه ينبغي تقييم تطبيق ضريبة على الثروات بعناية؛ فإذا كانت ستؤدي لهروب الاستثمارات وتقليص فرص العمل فإن كلفتها ستكون أكبر بكثير من عائدها. أما إذا جرى التوافق عليها عبر حوار بين الحكومة ورجال الأعمال مع توجيه حصيلتها لمشروعات تنموية فقد تحقق فوائد للاقتصاد.<P ويؤكد ضرورة إجراء دراسات فنية واقتصادية متخصصة لتحديد نسبة الضريبة أو الحد الأدنى للثروة الخاضعة لها لكن التخوف الرئيسي يبقى احتمال انتقال عبء الضريبة للمواطنين عبر موجات جديدة من ارتفاع الأسعار مما يزيد معاناتهم المعيشية.<P أما هاني توفيق فيضيف أنه إذا كانت هناك قدرة حقيقية لحصر الثروات وتطبيق الضريبة بفاعلية فإنه يقترح بدء الحد الأدنى للخضوع للضريبة عند10 ملايين جنيه باعتباره مستوى مناسباً كبداية لتطبيقها.<P ويشير إلى أن النسبة المناسبة لضربيةالثروةفي مصريمكنأن تتراوحبين2.5%-3%, مضيفاًأن تطبيقها يجبأن يقتصرعلىالثرواتبالمكونةعبرقنواتقانونيةومشروعةيمكنالتأكدمنمصادرهابسهولة.