واصل الجامع الأزهر عقد اللقاء الأسبوعي لملتقى السيرة النبوية، الذي جاء هذا الأسبوع تحت عنوان: “بقية المبشرين بالجنة من الصحابة الأجلاء.. “أصير بني عبد الأشهل (عمرو بن ثابت) نموذجًا”، بحضور كل من الدكتور نادي عبد الله، أستاذ الحديث وعلومه بجامعة الأزهر، والدكتور خالد عبد النبي عبد الرازق، أستاذ الحديث وعلومه بجامعة الأزهر، وأدار الملتقى الشيخ علي حبيب الله علي، الباحث بالجامع الأزهر.

في مستهل الملتقى، أكد الدكتور خالد عبد النبي أن الصحابي الجليل عمرو بن ثابت بن وقش الأنصاري رضي الله عنه يجسد نموذجًا فريدًا لصدق الإيمان وحسن الخاتمة. فقد اختصه الله سبحانه وتعالى بفضل عظيم، إذ أخبر عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنه من أهل الجنة رغم أنه لم يعش في الإسلام إلا ساعات قليلة. فلقد أسلم بعد غزوة أحد، وعندما شرح الله صدره للإسلام في يوم المعركة، لبس سلاحه وتوجه إلى النبي صلى الله عليه وسلم يسأله: “يا رسول الله، أُسلم ثم أقاتل أم أقاتل ثم أسلم؟” فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: “أسلم ثم قاتل”. فشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله.

وأضاف الدكتور خالد عبد النبي أنه بعد إسلامه اندفع يقاتل مع المسلمين حتى أثخن بالجراح. ولما حضره الموت، سأله قومه: ما الذي حملك على القتال؛ أحمية لقومك أم رغبة في الإسلام؟ فقال: “بل رغبةً في الإسلام. آمنت بالله ورسوله ثم قاتلت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أصابني ما ترون”. فلما بلغ النبي صلى الله عليه وسلم خبره قال: “إنه لمن أهل الجنة”. وفي رواية صحيحة في صحيح البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال النبي صلى الله عليه وسلم: “عمل قليلًا وأُجر كثيرًا”، في إشارة إلى أن ميزان التفاضل عند الله يقوم على صدق الإيمان والإخلاص لا على كثرة العمل أو طول العمر.

أصدق النماذج التي تجسد قيمة الإخلاص في الإسلام

من جانبه، أكد الدكتور نادي عبد الله أن الصحابي الجليل عمرو بن ثابت رضي الله عنه يعد من أصدق النماذج التي تجسد قيمة الإخلاص في الإسلام. فلم ينل هذه المنزلة بكثرة الأعمال أو بطول مدة إسلامه، وإنما بصدق نيته وإقباله الصادق على الله سبحانه وتعالى. وتذكر كتب السيرة أنه ما إن شرح الله صدره للإسلام حتى بادر إلى إعلان إسلامه ثم خرج مجاهدًا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة أحد واستشهد متأثرًا بجراحه في أول يوم من إسلامه. ومع ذلك شهد له النبي صلى الله عليه وسلم بالجنة وقال فيه: “عمل قليلًا وأُجر كثيرًا”. وهذه القصة تؤكد أن النية الصادقة هي أساس قبول الأعمال وأن الإخلاص يرفع صاحبه إلى أعلى المنازل، مصداقًا لقول النبي صلى الله عليه وسلم: “إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى”. وهذا يجعل من سيرة عمرو بن ثابت درسًا خالدًا في أن الله ينظر إلى صدق القلوب قبل كثرة الأعمال وأن حسن القصد والإقبال الصادق على الطاعة قد يبلغ بصاحبه منزلةً يعجز عنها أصحاب الأعمال الكثيرة إذا خلت من الإخلاص.

وأوضح الدكتور نادي عبد الله أن قصة الصحابي الجليل عمرو بن ثابت رضي الله عنه تعلم المسلمين ألا يحكموا على الناس بظاهر أعمالهم أو يقللوا من شأن أحد؛ فقد يكون الإنسان عظيم المنزلة عند الله وإن لم يدرك الناس قدره. لأن المعيار الحقيقي هو ما يعلمه الله من صدق القلوب وإخلاص النيات. لذلك علينا اغتنام كل لحظة يشرح فيها الله صدورنا للطاعة وعدم تأجيل التوبة أو فعل الخير؛ فالعبرة بحسن الختام لا بطول الأعمار لأن الصدق أساس قبول العمل. قال النبي صلى الله عليه وسلم: “إنما الأعمال بالنيات وإن لكل امرئ ما نوى” وقال أيضًا: “من يَصْدُقِ اللَّهَ يَصْدُقْه” لأن صدق العبد مع ربه يفتح له أبواب التوفيق والقبول ويرفع منزلته عندالله كما رفع منزلة عمرو بن ثابت رضيالله عنه حتى استحق بشهادة النبي صلىالله عليه وسلم أن يكون من أهل الجنة.