تأسست الدولة العثمانية في بداية القرن الرابع عشر الميلادي في الأناضول، وتوسعت على حساب جيرانها لتضم العديد من الأراضي تحت سلطتها. وصلت الدولة إلى ذروتها في القرن السادس عشر الميلادي خلال حكم السلطان سليم الأول والسلطان سليمان القانوني، لكنها بدأت تعاني من الضعف والتراجع بعد وفاة الأخير. وقد تسببت عدة عوامل في ذلك، منها الفساد الداخلي، وضعف القادة العثمانيين، وانتشار الرشوة بين رجال الدولة، وكثرة تمرد عساكر الإنكشارية، بالإضافة إلى زيادة نفقات القصر مع قلة الواردات وفساد نظام التيمار. كل ذلك جاء بالتزامن مع تصاعد قوة الدول الأوروبية واهتمامها بتسليح جيوشها بالأسلحة الحديثة.
يؤكد المؤرخون العثمانيون والغربيون أن هزيمة الجيش العثماني وتدمير أسطوله في “ليبانتو” عام 1571م على يد التحالف المكون من إسبانيا وجنوة والبندقية، وتقهقر الجيش أمام أسوار فيينا عام 1683م؛ كانت بداية تراجع العثمانيين في أوروبا. كما أن معاهدة قارلوفجة عام 1699م شكلت بداية عصر التوقف عن الفتوحات واكتشاف الضعف داخل الدولة، مما دفع للبحث عن حلول جادة.
في مقدمة ترجمته لكتاب د.أنور ضيا قرال “عصر التنظيمات الخيرية (1839-1856)” (دار البشير، 2025)، يشير د.محمد عبدالعاطي محمد إلى أن النصف الثاني من القرن الثامن عشر شهد محاولات جدية للإصلاح والتحديث داخل الدولة. فقد استقدمت السلطان محمود الأول (1730-1754م) المستشار العسكري الأوروبي الكونت دي بوتفال لإحياء فرقة الخمبره جيه (قاذفي القنابل – المدفعية)، مما أدى إلى إجراء إصلاحات في الجيش وتعليم الطباعة.
على الرغم من جهود السلطان سليم الثالث (1789-1808م) لإجراء إصلاحات جذرية وإنشاء نظام عسكري جديد على النمط الأوروبي الحديث، إلا أنه واجه صعوبات داخلية وخارجية أدت إلى خلعه ثم قتله. جاء السلطان محمود الثاني (1808-1839م) ليحقق ما عجز عنه سلفه؛ إذ قضى على اليكيجرية وأحدث تجديدًا كبيرًا في المؤسسة العسكرية، وأسس مجموعة جديدة من العساكر أُطلق عليها “العساكر المنصورة المحمدية”. كما أجرى إصلاحات مالية وعسكرية وأنشأ مدارس جديدة لتعليم اللغات العربية والفرنسية والجغرافيا والتاريخ والرياضيات، واستقدام مدرسين أجانب وإرسال بعثات إلى أوروبا.
في ظل التوسع السياسي والاقتصادي الأوروبي خلال القرن الثامن عشر، صعدت إلى السلطة نخبة من البيروقراطيين العلمانيين الذين تلقوا تعليمهم في أوروبا. وعندما عاد هؤلاء إلى بلادهم أدركوا أن المؤسسات الدينية والسياسية والعسكرية القديمة لم تعد تلبي احتياجات الإمبراطورية الحديثة وأن ضعف الدولة يعود لتلك المواريث القديمة التي تتعارض مع روح العصر.
صمم هؤلاء البيروقراطيون على “تحديث” الدولة العثمانية وفق نموذج غربي متنور، مما أدى لظهور جذور العلمانية في التشريعات العثمانية والمراسيم السلطانية.
بموجب مرسومَيْن سلطانيَّيْن صدرا في عهد السلطان عبد المجيد الأول وهما: “خط شريف كُلخانة” 1839م و”الخط الهمايوني” 1856م، أُعلِن عن التنظيمات الخيرية Tanzimat التي تعني إعادة التنظيم. تأثرت هذه التنظيمات بقانون نابليون والقانون الفرنسي خلال الإمبراطورية الثانية؛ حيث شهد الجيش والتعليم والإدارة والقضاء تحولًا جذريًا نحو العلمانية الأكثر راديكالية. فتم إلغاء الجزية عام 1856م وتحديد نظام ثابت للجندية والضرائب يشمل جميع السكان المسلمين وغير المسلمين. كما تشكلت المحاكم المختلطة المدنية والجنائية عام 1847م بقوانين إثبات وإجراءات مستمدة من الممارسات الأوروبية.
صدر القانون التجاري عام 1850م الذي مثل اعترافًا رسميًا بنظام قانون وقضاء مستقل عن علماء الدين وتعامل مع القضايا خارج نطاق الشريعة. لقد أعلنت التنظيمات الخيرية بداية علمنة العالم الإسلامي وأصبح تيار العلمنة الناتج عنها نموذجًا لحركة الإصلاح والتحديث حتى يومنا هذا.
مثل خط شريف كُلخانة الصادر في 3 نوفمبر 1839م منعطفًا تاريخيًا كبيرًا للدولة العثمانية حيث مثل نقطة انطلاق لبرنامج واسع من التغييرات الراديكالية التي استهدفت تغيير هيكل الدولة بشكل جذري.
يقسم د.أنور ضيا قرال خط كُلخانة الهمايوني إلى خمسة أقسام:.
الأول: احترام أحكام القرآن وقوانين الشريعة.
الثاني: ضعف الدولة وفقرها بعد قوتها وغناها بسبب عدم احترام الشريعة والقوانين الحاكمة.
الثالث: وضع بعض القوانين الجديدة لتحقيق إدارة حكيمة للدولة.
الرابع: المبادئ العامة التي تستند إليها القوانين الجديدة:.
- تحقيق الأمن والأمان لجميع الرعايا مسلمين ومسيحيين.
- تنظيم خدمة العساكر بقواعد منضبطة.
الخامس: أهمية المبادئ العامة التي تستند إليها القوانين الجديدة.
أقسم السلطان على تطبيق الخط الهمايوني واحترام القوانين المستندة إليه بعد وضع الخط الهمايوني في دائرة “الخرقة الشريفة” المقدسة؛ ليبدأ بذلك عصر التنظيمات بالاحتفال بإعلان “خط كُلخانة”.
مصطلح التنظيمات يعني النظام الذي يستند إلى المبادئ العامة المذكورة في “خط كُلخانة”. انتهت المرحلة الأولى من عصر التنظيمات عام 1856م لتبدأ المرحلة الثانية بإعلان فرمان الإصلاحات (الخط الشريف).
يمكن القول إن هناك إصلاحات كثيرة سبقت عصر التنظيمات الخيرية ولكن هذا العصر الذي بدأ بقراءة “خط كُلخانة” يعد مرحلة مهمة للتحديث والإصلاح؛ فهو يمثل الاعتراف القانوني والسياسي بالتغيرات البنيوية والإدارية منذ عهد السلطان سليم الثالث ويحتوي على كثير من الأسس التي قام عليها القانون الفرنسي الصادر عام 1789م.
لا يمكن تجاهل التأثير الغربي الذي صاحب إعلان فرمان التنظيمات والذي هدف إلى إصلاح الدولة العثمانية لكي لا تستأثر بها دولة أوروبية واحدة أو إشغالها بالتنظيمات والإصلاحات لتصبح تابعة لهذه الدول وطالبها بالتدخل في شؤونها الداخلية بحجة الإصلاح.
خلال اتخاذ تدابير كافية لتوضيح المبادئ الجديدة الواردة في “خط كُلخانة” تم إنشاء مؤسسات تصدر قوانين تتوافق مع هذه المبادئ، وكان أول هذه المؤسسات هو “مجلس الأحكام العدلية الكبير” الذي تأسس خلال حكم السلطان محمود الثاني وجمع صلاحيات مؤسسات مجلس الشورى والمحكمة العليا الحالية ومنح حق إعداد مشروعات قانون متوافقة مع المبادئ العامة الواردة في “خط كُلخانة” الهمايوني بالإضافة لفحص جميع المشكلات المتعلقة بالتنظيمات وإصدار القرارات بشأنها ليصبح المجلس بمثابة مجلس التنظيمات.
كانت الحقوق إحدى أهم قضايا التنظيمات حيث كانت مبادئ “خط كُلخانة” نقطة تحول تاريخية بالنسبة للحقوق داخل الدولة العثمانية وبذل رجال عصر التنظيمات جهوداً كبيرة للتوفيق بين النظام الشرقي والغربي للحقوق.
اهتم “خط كُلخانة” أيضًا بالتنظيم المالي وعمل على تنظيم الضرائب وفي المجال التعليمي عبر تأسيس نظام تعليمي أكثر حداثة واقتراباً من المفهوم الغربي بينما كانت الخدمة العسكرية محور جميع محاولات الإصلاح السابقة بهدف الوصول بالجيش العثماني لمستوى جيوش أوروبا الحربية.
AA
أثارت حركة التنظيمات ردود فعل قوية وحادة من أصحاب الفكر المحافظ مما يجعل كتاب «عصر التنظيمات الخيرية (1839-1856)» إضافة ثرية للمكتبة العربية.

