لا يقتصر التنمر على المدارس أو بيئات العمل، بل يبدأ أحيانًا داخل المنزل، حيث تتحول الكلمات الجارحة والمقارنات والتمييز بين الأبناء إلى جروح نفسية عميقة يصعب تجاوزها. فالتنمر الأسري، خاصة عندما يصدر من أحد الوالدين، قد يترك آثارًا تمتد لسنوات وتنعكس على شخصية الأبناء وثقتهم بأنفسهم.

كشفت الدكتورة هالة فهيم عماره، استشاري التخاطب والتربية الخاصة بمستشفى الهلال الأحمر، في تصريح خاص لـ”أحداث اليوم”، أن التنمر الأسري يعد من القضايا التي يعاني منها الكثير من الأبناء والبنات. وأوضحت أن الإساءة قد تصدر من الأب تجاه ابنه أو ابنته، أو من الأم تجاه أبنائها، إلا أن التنمر الذي تمارسه بعض الأمهات ضد بناتهن أصبح ظاهرة تستدعي التوقف أمامها.

وأكدت أن الأم تمثل النموذج الأول لابنتها في الحب والعطاء والاحتواء، ومن الطبيعي أن تكون مصدر الأمان والدعم والدفاع عنها في مواجهة أي خطر. ومع ذلك، يشهد الواقع في بعض الحالات ممارسات تتنافى مع هذا الدور، حيث تلجأ بعض الأمهات إلى التنمر على بناتهن والتفرقة في المعاملة.

وأوضحت أن هناك عدة أسباب تقف وراء هذا السلوك، في مقدمتها افتقاد الأم للحب والاحتواء خلال طفولتها بعدما نشأت في بيئة كانت تتعامل معها بالطريقة نفسها. وهذا ما جعلها تتبنى أفكارًا خاطئة مثل التمييز بين الذكور والإناث.

وأضافت أن من الأسباب أيضًا ضعف الوعي بأساليب التربية السليمة وعدم امتلاك بعض الأمهات لمهارات التربية الصحيحة. كما أشارت إلى الجهل بالأسس النفسية والتربوية التي تقوم عليها العلاقة الصحية بين الأم وأبنائها.

وأشارت إلى أن حرمان الأم من العاطفة والاحتواء ينعكس على تعاملها مع ابنتها. كما أن اعتقاد بعض الأمهات بأن الابن الذكر هو السند وحامل اسم العائلة يدفعهن إلى التمييز بين الأبناء والبنات، وهو ما يتعارض مع تعاليم الدين الإسلامي التي تدعو إلى العدل بين الأبناء.

واستشهدت بقول النبي صلى الله عليه وسلم: “اتقوا الله واعدلوا بين أبنائكم”، وكذلك قول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾. مؤكدةً أن العدل بين الأبناء هو أحد المبادئ الأساسية التي يجب أن تقوم عليها التربية.

وأوضحت الدكتورة هالة فهيم عماره أنه رغم ارتفاع مستوى الوعي المجتمعي، ما زالت بعض الأمهات بحاجة إلى التوجيه والإرشاد بشأن أساليب التربية الصحيحة.

وأكدت أن تغيير هذا السلوك يبدأ من خلال توعية الأم على يد الأشخاص المقربين منها والحوار معها بهدوء. كما يجب تعريفها بآثار التنمر النفسية والسلوكية على ابنتها، وعرض نماذج إيجابية ومواد توعوية وفيديوهات تتناول أساليب التربية السليمة مع توضيح الرؤية الإسلامية في التعامل مع الأبناء دون تمييز.

ووجهت هالة فهيم رسالة إلى الأمهات أكدت فيها على أهمية كون الأم صديقة لابنتها تمنحها الحب والاحتواء والاهتمام. مشددةً على أن غرس القيم والحنان والدعم النفسي في الأبناء اليوم هو استثمار حقيقي يعود ثماره على الأسرة في المستقبل. ودعت كل أم إلى الاقتراب من أبنائها حتى لا تخسرهم مع مرور الوقت.