إذا وقعت عيناك يومًا على لافتة عيادة طبيب كُتب عليها: “استشاري أمراض الغدد الصماء”، فعليك أن تدرك على الفور أن تلك اليافطة مُعَلَّقة في مجتمع ما زال يحبو في دروب النهضة، وينتظره الكثير ليلحق بركب التقدم.

في المقابل، إذا تنقلت في عاصمة من عواصم العالم المتقدم، لوجدت لافتة أخرى لطبيب كُتب عليها: “استشاري الغدة الدرقية”! والغدة الدرقية هي مجرد غدة واحدة من منظومة معقدة تشمل النخامية، والكظرية، والبنكرياس، وغيرها.

وبالمثل تمامًا؛ قد تجد في مجتمعاتنا لافتة عريضة تحمل لقب: “أستاذ جراحة العظام”، مما يوحي إليك بأن صاحبها يمتلك أسرار الهيكل العظمي البشري بأكمله من الرأس إلى أخمص القدمين. لكنك في مكان آخر من المعمورة ستجد عيادة لطبيب كُتب عليها بكثير من التواضع العلمي والدقة: “أستاذ جراحات الكاحل والقدمين”!

تشبه العيادات الأولى “الجمعية الاستهلاكية الشاملة” التي تبيع كل شيء، بينما العيادات الثانية تمثل واجهة “للتخصص الدقيق”.

في الأولى، يظن الطبيب أنه قادر على الإحاطة بمنظومة ممتدة لأن العلم في بيئته لم يصل بعد إلى ذروة اتساعه. أما في الثانية، ولغزارة المعرفة وعمقها، أدرك الطبيب أن عمرًا واحدًا لا يكفي للإبحار في تفاصيل وعظام وأربطة “الكاحل والقدم”، فاكتفى بفرع قد يراه السطحيون صغيرًا لكنه في حقيقته بحر زاخر بالتفاصيل.

هذه هي طبيعة حركة الحياة وصيرورة العلم؛ تبدأ المعرفة إجمالية شاملة، وكلما اتسعت المدارك وتراكمت الخبرات، انشطرت العلوم لتولد تخصصات دقيقة تكون هي البرهان الساطع على تقدم الأمة أو تخلفها.

قديمًا، بدأ “علم النفس” ككتلة واحدة. واليوم يتفرع إلى علم النفس الاجتماعي، وعلم النفس المعرفي، وعلم الاجتماع السياسي. والطب نفسه الذي كان قديما يُعتبر “حِرفة الحكيم” الشاملة لم يكتفِ بالتفرع إلى باطنة وجراحة بل تداخل مع التكنولوجيا لينتج علمًا مذهلاً هو “الهندسة الطبية” التي تدير تصنيع وتشغيل وابتكار الأجهزة المعقدة والتجهيزات اللوجستية التي بدونها يصبح الطب عاجزًا.

حتى العلوم الإنسانية والشرعية خضعت لهذه السُّنة الكونية؛ فالإسلام بدأت علومه بمنظومة من الأحكام والقواعد التي تناقلها الصحابة والتابعون بوعي شامل. واليوم ونتاجا لتراكم المعرفة وتدفقها بات لدينا علم مستقل للحديث وآخر للفقه وثالث للعقيدة. وصارت هناك كليات وجامعات تفرد أقسامًا مستقلة لأجزاء دقيقة من هذه العلوم.

ولو نظرنا حولنا اليوم لوجدنا هذا الانشطار المعرفي في كل شيء؛ فعلم الهندسة لم يعد مجرد بناء وعمارة بل تفكك تاريخيًا إلى هندسة الكهرباء والميكانيكا وهندسة البترول والمدني والمعماري ثم انشطر مجددًا لتولد هندسة الاتصالات والحاسبات وصولاً إلى هندسة النانو وهندسة الذكاء الاصطناعي وهندسة الطاقة المتجددة.

وعلم القانون لم يعد مجرد محاماة عامة بل برزت فيه تخصصات دقيقة كقانون الفضاء السيبراني والملكية الفكرية الدولية والنزاعات التجارية العابرة للقارات. بل إن المنظومة القضائية نفسها تفرعت قديمًا وحديثًا لتظهر محكمة الأسرة والمحكمة الاقتصادية. إنها القاعدة الذهبية: كلما تفرعت العلوم تقدمت الأمم.

دكتاتورية “العَالِم بكل شيء” مقابل عبقرية “المتخصص”

المأزق الحقيقي الذي تعيشه المجتمعات النامية هو بقاؤها أسيرة لظاهرة “الموسوعية الزائفة” أو عقلية “الفهلوة”؛ حيث تجد شخصًا واحدًا يُنَصِّب نفسه خبيرًا إستراتيجيا ومحللاً اقتصاديًا ومفتياً قانونيًا وموجهاً إدارياً في آن واحد! إن خطورة عقلية “العَالِم بكل شيء” تلغي قيمة العلم الحقيقي وتصنع قرارات مشوهة.

إن تعقيد العصر الحديث يفرض فصلاً حاسمًا وفلسفة صارمة في إدارة الدولة والمؤسسات. لا يمكن للإداري التنفيذي أن يفتي في الشأن القانوني ولا يجوز للمستشار القانوني أن يفرض رؤيته على الفني أو المهندس المختص. عبقرية المؤسسات الحديثة تكمن في احترام حدود التخصص وترك القوس لبارئها.

التخصص كركيزة للعدالة والإنتاجية

حين يحترم كل عنصر في المنظومة حدود تخصصه يتحول المجتمع إلى ما يشبه “تروس الساعة السويسرية الدقيقة”؛ كل ترس يتحرك في مجاله المحدد لينتج في النهاية وقتا منضبطا وحركة سلسة. احترام التخصص هو الضمانة الأولى لحماية المؤسسات من التخبط والارتجال والفساد الإداري.

وعندما يُسند الأمر إلى غير أهله أو عندما يتدخل “العام” في “الخاص” بذريعة السلطة أو الأقدمية تفقد المؤسسات بوصلتها وتتبدد طاقاتها.

إن العدالة الإدارية تقتضي أن يُترك القرار للفني المتخصص في مساحته وأن يقتصر دور الإداري على التنظيم وعمل القانوني على الحماية والرقابة دون أن يجور طرف على مساحة الآخر.

الخاتمة: مقياس درجة الحرارة

في النهاية، إذا أردنا أن نعرف درجة حرارة تقدمنا الحضاري وإذا أردنا استخدام “الترمومتر” الحقيقي لقياس نهضتنا فلننظر إلى مستوى وحجم التخصص ولننظر إلى مكانة “المتخصص” في مجتمعنا.

هل نترك للمتخصص الدقيق مساحته ليقود ويبدع؟ أم ما زلنا نفضل الطبيب أو الجراح الشامل الذي يعالج كل شيء ولا يبرأ على يديه شيء؟

إن الانتقال من الشمولية العشوائية إلى التخصص الدقيق ليس مجرد رفاهية علمية بل هو معركة وعي وخطوة إجبارية إذا أردنا أن نتحول من أمة تستهلك معارف الآخرين إلى أمة تصنع تخصصاتها وتكتب تاريخها بمداد من العلم الحقيقي.