تكشف تطورات الحرب الأمريكية الإيرانية أن الصراع تجاوز ساحات المواجهة العسكرية المباشرة، ليدخل مرحلة جديدة تستهدف أوراق الضغط الاقتصادية والجيوسياسية، وفي مقدمتها أمن الممرات البحرية التي تمثل شرياناً حيوياً لتجارة الطاقة العالمية.

في الوقت الذي تواصل فيه إيران التلويح بإمكانية تعطيل الملاحة في مضيق هرمز، تتقاطع تحركات جماعة الحوثي في البحر الأحمر مع الضغوط التي تواجهها الولايات المتحدة وحلفاؤها، مما يضع أهم منفذين بحريين في المنطقة تحت ضغوط متزامنة.

تعكس بيانات شركة “كبلر”، المتخصصة في تحليل البيانات وتتبع حركة الشحن البحري والسلع الأساسية وخاصة أسواق الطاقة والنفط والغاز، هذا التحول؛ إذ أظهرت استمرار انخفاض حركة السفن عبر مضيق هرمز، مع تراجع عدد السفن العابرة وعدم تسجيل مرور أي ناقلات عملاقة للنفط الخام أو الغاز الطبيعي المسال.

منطقة عالية المخاطر

وعلى الرغم من أن حركة الملاحة لم تتوقف، فإن هذا التراجع يعكس حالة الحذر المتزايدة لدى شركات الشحن العالمية، التي باتت تتعامل مع المضيق باعتباره منطقة عالية المخاطر. وهذا ينعكس مباشرة على تكاليف النقل والتأمين وإمدادات الطاقة.

تزامن ذلك مع استمرار التداعيات العسكرية للحرب خارج حدود أطرافها المباشرين، بعدما أعلن الجيش الأردني اعتراض أربعة صواريخ إيرانية، في مؤشر على اتساع نطاق التأثير الإقليمي للصراع وتحول دول الجوار إلى ساحات تتأثر بتبادل الضربات حتى وإن لم تكن طرفاً مباشراً في المواجهة.

الجبهة الغربية لشبه الجزيرة العربية

يبدو أن جماعة الحوثي تسعى إلى استكمال الضغوط الإيرانية من الجبهة الغربية لشبه الجزيرة العربية عبر توسيع دائرة التهديد لتشمل السفن المرتبطة بالمملكة العربية السعودية. فبعد إعلانها فرض حظر على الملاحة المرتبطة بالموانئ السعودية، أبلغت شركات الشحن بأن السفن المخالفة قد تصبح أهدافاً للهجمات. هذه الخطوة تنقل المواجهة من استهداف السفن المرتبطة بإسرائيل إلى محاولة فرض واقع أمني جديد يطال صادرات النفط السعودية وخطوط التجارة الدولية.

ذكرت وكالة أنباء “سبأ” اليمنية – التي يديرها الحوثيون – أن ست سفن في البحر الأحمر اضطرت لتغيير مسارها بعد تلقيها تحذيرات من جماعة الحوثي، مما يهدد حركة الملاحة في البحر الأحمر الذي كان المسار البديل الرئيسي لنقل ملايين البراميل من النفط السعودي يومياً خلال فترة الحرب.

مخاطر تشغيلية حقيقية

تشير “ذا جارديان” إلى أن تحذيرات الحوثيين بشأن البحر الأحمر – إضافة إلى التهديدات الإيرانية لحركة الملاحة في الجانب الآخر من شبه الجزيرة العربية عند منطقة الخليج – تلقي بظلالها على صادرات النفط السعودية الضخمة التي ظلت بمنأى عن الصراع المستمر منذ أشهر، مما يزيد من تفاقم الأزمة المتصاعدة بسرعة في المنطقة.

يرى مراقبون أن التصعيد الحوثي يهدف إلى تحقيق أكثر من غاية؛ فهو يمنح إيران ورقة ضغط إضافية على خصومها ويرفع الكلفة الاقتصادية للحرب عبر تهديد طرق التجارة والطاقة، كما يفتح جبهة جديدة تضغط على الولايات المتحدة وحلفائها وتوسع نطاق المواجهة إلى ما يتجاوز مسرح العمليات المباشر.

محاولات لتأمين الملاحة في البحر الأحمر

تؤكد التحركات الميدانية أن هذه التهديدات بدأت تترك أثراً عملياً بعدما غيرت ناقلات نفط تحمل الخام السعودي والمتجهة إلى الأسواق الآسيوية مساراتها بعيداً عن السواحل اليمنية. وهذا يعكس أن شركات النقل باتت تتعامل مع التهديدات باعتبارها مخاطر تشغيلية حقيقية حتى في غياب هجمات مباشرة على جميع السفن المستهدفة.

تهديد الملاحة لم يعد قضية إقليمية

تعكس المواقف الدولية المتزايدة إدراكاً متنامياً بأن تهديد الملاحة لم يعد قضية إقليمية فحسب بل بات يمس استقرار الاقتصاد العالمي. وفي هذا السياق جاءت الإدانة الباكستانية لتهديدات الحوثيين باعتبارها رسالة سياسية تؤكد رفض توسيع دائرة الصراع لتشمل المملكة العربية السعودية أو تعريض التجارة الدولية للخطر. كما تم التشديد على أن استهداف السفن التجارية يمثل انتهاكًا للقانون الدولي وتهديداً مباشراً للأمن الإقليمي.

تشير مجمل هذه التطورات إلى أن الحرب دخلت مرحلة جديدة تعتمد على استخدام الممرات البحرية كورقة ضغط استراتيجية، بما يربط بين مضيق هرمز والبحر الأحمر في معادلة أمنية واحدة. ويعني ذلك أن أي تصعيد إضافي لن يقتصر أثره على أطراف الصراع بل سيمتد إلى أسواق الطاقة العالمية وسلاسل الإمداد والتجارة الدولية مما يزيد الضغوط على القوى الدولية للدفع نحو احتواء الأزمة ومنع تحولها إلى مواجهة إقليمية مفتوحة.