أجابت دار الإفتاء المصرية عن استفسار سائل يسأل: “ما حكم جمع الرجل بين المرأة وخالة أمها في الزواج؟”.
حكم الجمع بين المرأة وخالة أمها
أكدت دار الإفتاء أنه يحرم شرعًا الجمع بين المرأة وخالة أمها في الزواج؛ لعموم نهي النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن الجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها، وهذا يشمل الخالة أو العمة سواء كانت عمة وخالة حقيقة -وهي أخت الأب وأخت الأم- أو مجازية -وهي أخت أبي الأب وأبي الجد وإن علا-، أو أخت أم الأم وأم الجدة من جهتي الأم والأب وإن علت؛ فكلهنَّ يحرُمُ الجمع بينهن بإجماع العلماء.
وأضافت الإفتاء: شرع الله سبحانه وتعالى الزواج وجعل له مقاصد سامية وغايات شريفة؛ قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الروم: 21]، وورد في السنة حث النبي صلى الله عليه وآله وسلم على الزواج في أكثر من حديث؛ منها ما رواه الشيخان عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنَّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ مَنِ اسْتَطَعَ مِنْكُمُ البَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ».
وقد حدَّد الشرع الشريف لانعقاد الزواج شروطًا وأركانًا؛ ومن شروط الزواج: خلوّ طرفي العقد -الرجل والمرأة- من الموانع الشرعية؛ فلا يصحُّ مثلًا العقد على معتدة حتى تنتهي عدتها، ولا يصحّ أن يعقد رجلٌ على خامسة حال كونه متزوجًا بأربع، وكذلك لا يصحّ النكاح بين من تتخلَّل علاقتهما صلة محرمية أصولًا وفروعًا وحواش، نسبًا أو رضاعًا أو مصاهرةً؛ قال تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَناتُ الْأخِ وَبَناتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأخَوَاتُكُمْ مِن الرَّضاعَهِ وَأُمَّهَاتُ نِسائِكُمْ وَرَبائِبُكُم اللاتي فِي حُجوركم مِن نِسائكم اللاتي دَهَلتم بِهِنَّ فَلَا جُناح عَلَيْكم ۖ وَحَلائِلُ أَبنائكم الَّذِينَ مِن أصولابكم ۖ وَأن تجمَعوا بَيْن الأختين إِلّا مَا قَد سَلَّف إِنَّ اللّه كَال غفورٌ رَّحيمٌ﴾ [النساء: 23].
وكما يُحرَم الجمع بين الأختين فإنَّه يحرم أيضًا الجمع بين المرأة وعمتها والمرأة وخالتها؛ فقد روى الشيخان عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: “نهى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن يجمع الرجل بين المرأة وعمتها، وبين المرأة وخالتها”، قال الزهري: “فنرى خالة أبيها، وعمة أبيها بتلك المنزلة”.
وحمل هذا النص على الخالة والعمة المباشرتين وغير المباشرات مبنيٌّ على أنه يجوز إرادة الحقيقة والمجاز بلفظٍ واحد، وأنه يُحمَل عليهما عند الإطلاق؛ كما فعله الشافعي في آية اللمس؛ فهي محمولة عنده على الجسّ باليد حقيقةً، وعلى الوِقاع مجازًا. انظر: “جمع الجوامع وشرحه” للمحلّي -مع “حاشية العطار”- (1/ 390-392، ط. دار الكتب العلمية).
قال الإمام النووي في “شرحه على صحيح الإمام مسلم” (9/ 190-191، ط. دار إحياء التراث العربي) معلقًا على الحديث الآنف الذكر: [هذا دليل لمذاهب العلماء كافة أنَّه يحرم الجمع بين المرأة وعمتها وبينها وبين خالتها؛ سواء كانت عمة وخالة حقيقة -وهي أخت الأب وأخت الأم- أو مجازية -وهي أخت أبي الأب وأبي الجد وإن علا-، أو أخت أم الأم وأم الجدة من جهتي الأم والأب وإن علت؛ فكلهن بإجماع العلماء يحرم الجمع بينهما] اهـ.
وهذا النقل عن الإمام النووي يفيدنا فائدة أخرى؛ وهي أنَّ حكم المنع من الجمع بين المرأة وعمتها وإن علت، أو المرأة وخالتها وإن علت محل إجماع وليس من الأمور الخلافية، وهو ما صرح به أبو الوليد بن رشد في “بداية المجتهد” (3/ 65، ط. دار الحديث)؛ حيث قال: [اتفقوا فيما أعلم على تحريم الجمع بين المرأة وعمتها وبين المرأة وخالتها؛ لثبوت ذلك عنه صلى الله عليه وآله وسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه وتواتره عنه صلى الله عليه وآله وسلم من أنَّه قال: «لَا يُجْمَع بَيْن الْمَرْأَه وَخَالتهَا». واتفقوا على أن العمة ها هنا هي كلّ أنثى هي أخت لذكر له عليك ولادة؛ إمّا بنفسه وإمّا بواسطة ذكر آخر، وأن الخالة هي كل أنثى هي أخت لكل أنثى لها عليك ولادة؛ إمّا بنفسها وإمّا بتوسط أنثى غيرها؛ وهُن الحرات من قَبَل الأم] اهـ.
هل يجوز الجمع في الزواج بين المرأة وخالة أمها؟
وأوضحت الإفتاء أن الضابط الذي ذكره العلماء في هذا الباب هو أنه لا يجوز الجمع بين امرأتين لو فُرِضت إحداهما رجلًا لم يجز له نكاح الأخرى، وذلك من الجانبين؛ قال الحافظ ابن رجب في “قواعده” (ص: 324، ط. دار الكتب العلمية): [كل امرأتين بينهما رحم محرم يحرم الجمع بينهما؛ بحيث لو كانت إحداهما ذكرًا لم يجز له التزوج بالأخرى لأجل النسب دون الصهر. فلا يجوز له الجمع بين المرأة وعمتها وإن علت ولا بينها وبين خالتها وإن علت ولا بين الأختين ولا بين البنت وأمها وإن علت. قال الشعبي: كان أصحاب محمد صلى الله عليه وآله وسلم يقولون: لا يجمع الرجل بين امرأتين لو كانت إحداهما رجلًا لم يصلح له أن يتزوجها] اهـ.
أما قوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَّكُمْ مَا وَرَآءَ ذَلِكَ﴾ [النساء: 24] بعد أن ذكر المحرمات من النساء في كتابه الكريم فلا يُقال إنه لم يذكر فيهن المرأة مع خالتها أو عمتها؛ لأن جمع الرجل بينهم مما قد حرمه الله تعالى على لسان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فهو وحي غير متلو.
وأشارت إلى أن حرمة الجمع بين الأختين معلولة بقطع الرحم وذلك فيما رواه الطبراني في “الكبير” عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نهى عن تزويج امرأة على عمتها وعلى خالتها وقال: «إِنَّكُمْ إِن فَعَلتم ذَلِكَ قَد قَدعتُم أرْحامكم»، وروى أبو داود في “المراسيل” عن عيسى بن طلحة قال: “نهى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن نكاح امرأة على قرابتها مخافة القطيعة” والجمع هنا يفضي إلى قطع الرحم فكانت حرمة ثابتة بدلالة النص فلم يكن ما وراء ما حرم في آية التحريم. انظر:”بدائع الصنائع” للإمام الكاساني (2/ 262، ط. دار الكتب العلمية).
وأكدت الإفتاء أنه بناءً عليه فلا يجوز ولا يصحُّ أن يجمع الرجل بين المرأة وخالة أمها في الزواج.

