الأربعاء 08/يوليو/2026 – 12:08 م .
لم تعد أخطر أزمات الإعلام تتعلق بتراجع التوزيع أو انخفاض نسب المشاهدة، بل بفقدان المجتمع بوصلته في معرفة مصدر الحقيقة. عندما تصبح الصفحة المجهولة أكثر تأثيرًا من صحيفة عريقة، ويصبح صانع المحتوى أكثر حضورًا من الصحفي المحترف، ويحل “الترند” محل الخبر، فاعلم أننا أمام أزمة وعي قبل أن نكون أمام أزمة إعلام. والسؤال الذي يجب أن نطرحه على أنفسنا هو: كيف وصلنا إلى مرحلة نستبدل فيها المؤسسات الإعلامية التي صنعت الوعي لعقود بمنشورات لا نعرف من كتبها ولا لماذا كتبها؟
قبل سنوات، كانت الصحف والإذاعة والتليفزيون هي التي تصنع الخبر، ثم تنتقل تفاصيله إلى الناس. أما اليوم، فقد انقلبت المعادلة؛ فأصبحت العديد من وسائل الإعلام تنتظر ما يتداوله مستخدمو مواقع التواصل الاجتماعي، ثم تعيد نشره أو مناقشته، وكأن السوشيال ميديا أصبحت المصدر الأول، بينما تحول الإعلام في بعض الأحيان إلى مجرد ناقل أو ملاحق لما يفرضه “الترند”.
المشكلة ليست في وجود السوشيال ميديا، فهي أداة تواصل مهمة لا يمكن إنكار تأثيرها، وإنما في أن تتحول إلى المرجعية الوحيدة، وأن يصبح صناع المحتوى والبلوجرز هم من يحددون أولويات النقاش العام ويطلقون المصطلحات ويوجهون الاتهامات ويصدرون الأحكام دون تدقيق أو مساءلة أو التزام بالمعايير المهنية.
والأخطر من ذلك أننا كمجتمع لا نملك في كثير من الأحيان ثقافة التحقق والفرز. نقرأ منشورًا فنعتبره حقيقة، ونشارك مقطعًا دون أن نسأل عن مصدره، ونمنح الإعجابات والتعليقات والدعم لمحتوى قد يكون مضللًا أو مجتزأ أو مفبركًا، فتتحول الشائعة إلى “حقيقة” بمجرد كثرة تداولها.
اليوم نجد وصفات طبية يقدمها غير المختصين وتحليلات سياسية بلا معلومات واتهامات لمسؤولين بلا أدلة وأحكامًا على الأشخاص والمؤسسات تصدر من صفحات لا يعرف أحد من يقف وراءها. والأكثر إزعاجًا أن بعض البرامج والصحف أصبحت تبدأ يومها بما نُشر على مواقع التواصل بدلًا من أن تبدأ بالبحث والتحقق وصناعة الخبر.
الإعلام الحقيقي لا ينبغي أن يكون تابعًا للسوشيال ميديا بل قائدًا لها. وظيفته أن يتحقق ويفسر ويضع الأمور في سياقها لا أن يكتفي بملاحقة ما يتصدر قوائم التداول. كما أن استعادة ثقة الجمهور لن تتحقق إلا عندما يشعر المواطن أن المعلومة الدقيقة ستصل إليه أولًا من الوسيلة الإعلامية المهنية وليس من صفحة مجهولة على أحد مواقع التواصل.
إن أخطر ما نواجهه اليوم ليس قوة السوشيال ميديا بل ضعف الثقافة الإعلامية لدى المجتمع وتراجع دور المؤسسات المهنية في قيادة المشهد. فالأمم لا تُبنى بالشائعات ولا تُدار بالترند وإنما تُبنى بمعلومة صحيحة وإعلام مسؤول وجمهور يعرف كيف يميز بين الحقيقة والادعاء.
هل هذا هو الإعلام؟
كان المصري يقول بثقة: قرأت الخبر في الأهرام… أو الأخبار… أو أحداث اليوم… أو سمعت الخبر في الإذاعة أو شاهدته على شاشة التليفزيون. كانت للمعلومة مؤسسات تحميها وللخبر محرر يتحقق منه ورئيس تحرير يراجعه ومؤسسة تتحمل مسؤوليته.
أما اليوم فقد تبدلت الصورة بصورة تدعو إلى القلق. أصبحنا نقول: قرأت على صفحة فلان أو نشر أحد البلوجرز أو كتب أحد صناع المحتوى. صفحات مجهولة وأشخاص لا نعرف مؤهلاتهم ولا مسؤوليتهم المهنية ومع ذلك ينجح بعضهم في توجيه الرأي العام وإطلاق الاتهامات وصناعة الأزمات بل وابتزاز الناس أحيانًا بحثًا عن المشاهدات والتفاعل.
هل هذا هو الإعلام الذي يليق بدولة ضاربة بجذورها في قلب التاريخ؟ وهل يعقل أن تصبح دولة تمتلك واحدة من أعرق المدارس الصحفية والإعلامية في المنطقة أسيرة صفحات يديرها مراهقون إعلاميًا بينما تتراجع المؤسسات المهنية عن دورها في صناعة الخبر وقيادة الوعي؟
إن القضية ليست حربًا على السوشيال ميديا فهي وسيلة مهمة لا يمكن تجاهلها وإنما السؤال الحقيقي هو: من يقود من؟ هل يقود الإعلام المجتمع أم يقوده “الترند”؟ وهل أصبحت المؤسسات الإعلامية تلهث خلف مواقع التواصل بعد أن كانت هي التي تحدد أجندة النقاش العام؟
إن استعادة هيبة الإعلام تبدأ باستعادة قيمة المعلومة فلا يجوز أن يكون مصدر الخبر صفحة مجهولة بينما تتحول المؤسسات الصحفية إلى مجرد ناقل لما يدور على مواقع التواصل. فالدول القوية تبني وعي شعوبها عبر إعلام مهني مسؤول لا عبر منشورات تبحث عن الإعجابات والمشاهدات.
هذه المشاكل لابد من وضعها على مائدة الحوار فى المؤتمر العام يوم 3 ديسمبر تحت رعاية الرئيس.
ليس مقبولًا أن تمتلك مصر تاريخًا صحفيًا وإعلاميًا صنع الوعي في العالم العربي ثم يصبح تشكيل الرأي العام فيها مرهونًا بصفحات مجهولة أو أشخاص لا يعرفون من الإعلام سوى عدد المشاهدات والإعجابات. إن استعادة هيبة الإعلام ليست رفاهية بل قضية أمن وعي لأن المجتمع الذي يفقد ثقته في مؤسساته ويستبدل الحقيقة بالترند يصبح أكثر قابلية للتضليل والابتزاز وصناعة الفوضى.
ويبقى السؤال الذي لا يجوز أن نهرب منه: هل يليق بدولة بحجم مصر صاحبة واحدة من أعرق المدارس الصحفية والإعلامية في المنطقة أن تترك عقول أبنائها نهبًا لصفحات مجهولة أم أن الوقت قد حان ليعود الإعلام الحقيقي إلى مكانه الطبيعي… صانعًا للوعي وليس تابعًا للترند؟

