واصلت وزارة الأوقاف تنفيذ برنامجها العلمي والتثقيفي عقب صلاة الجمعة في المساجد الكبرى، حيث نظمت عددًا من الندوات العلمية في محافظات القاهرة والجيزة والدقهلية وأسيوط. جاءت هذه الندوات تحت عنوان: «الحرص عند توصيل الصدقة على حسن إعطائها وتقديمها بما لا يجرح شعور المحتاج»، وذلك في إطار استراتيجية الوزارة الهادفة إلى بناء الإنسان وترسيخ الوعي الديني الرشيد وتعزيز قيم التكافل والتراحم وصيانة كرامة الإنسان.

الصدقة من أعظم أبواب البر والإحسان

أكد المشاركون في الندوات أن الصدقة تُعد من أعظم أبواب البر والإحسان، وأن كمال أجرها لا يقتصر على تقديم المال فحسب، بل يشمل أيضًا حسن تقديمه ومراعاة مشاعر المحتاج. وأشاروا إلى أهمية الحرص على ألا يصاحب العطاء منٌّ أو أذى أو ما يجرح كرامة من تصل إليه الصدقة، مستشهدين بقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالْأَذَى﴾.

وأوضحوا أن المحتاج يلجأ إلى طلب العون بسبب حاجة ألجأته، ومن ثم فإن من تمام الإحسان أن يُقدم له المتصدق ما يحتاج إليه برفق وستر وحسن معاملة، دون أن يشعره بالدونية أو يجعله موضع إحراج. مؤكدين أن حفظ كرامة الإنسان وصيانة مشاعره هو جزء أساسي من الأخلاق الإسلامية.

في مديرية أوقاف القاهرة، تناول الدكتور محمد جمال الصيرفي – المحاضر بمركز تدريب ديوان عام محافظة القاهرة – أهمية مراعاة مشاعر المحتاج عند تقديم الصدقة. وأكد أن وسائل التواصل الحديثة تتيح الوصول إلى المحتاجين وتيسير تقديم المساعدات، إلا أن استخدامها ينبغي أن يكون بضوابط أخلاقية تحافظ على خصوصية المستفيد وكرامته، وألا تتحول الصدقة إلى مادة للتصوير أو الاستعراض.

العمل الخيري ينبغي أن يقوم على الستر والإحسان

كما تناول الدكتور محمود محمد أحمد إسماعيل – المحاضر بمركز القاهرة للتنمية البشرية – خلال محاضرته بمسجد السيدة زينب (رضي الله عنها)، خطورة تصوير المحتاجين أو نشر صورهم أثناء تلقي المساعدات. وأكد أن العمل الخيري ينبغي أن يقوم على الستر والإحسان، وأن نشر صور المستفيدين أو بياناتهم دون ضرورة قد يتسبب لهم في حرج بالغ. داعيًا إلى استخدام وسائل التواصل الاجتماعي لنشر ثقافة التكافل دون المساس بخصوصية المحتاجين.

وأوضح الدكتور عادل عبد الهادي – المحاضر بمركز تدريب ديوان عام محافظة القاهرة – خلال محاضرته بمسجد سيدنا عمرو بن العاص (رضي الله عنه)، أن الصدقة الحقيقية تجمع بين نفع الإنسان ماديًّا وإكرامه معنويًّا. مؤكدًا أن الكلمة الطيبة وحسن المعاملة قد يكونان أبلغ أثرًا في نفس المحتاج من قيمة المال نفسه، وأن المتصدق ينبغي أن يضع نفسه مكان من يقدم إليه العطاء ليختار له الأسلوب الذي يحب أن يُعامل به.

وبيّن الدكتور محمد محسن رمضان – مستشار الأمن السيبراني – خلال محاضرته بمسجد فاطمة الشربتلي، أهمية اختيار الوقت والطريقة المناسبة عند إعطاء الصدقة وعدم تقديمها أمام الآخرين بصورة قد تسبب الحرج للمحتاج. مؤكدًا ضرورة صيانة كرامة المستفيد في جميع مراحل العمل الخيري، بدءًا من تحديد المستحقين وحتى توصيل المساعدات إليهم.

وفي مديرية أوقاف الجيزة، أكد الدكتور مجدي محمود رشاد – أستاذ بجامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا – خلال محاضرته بمسجد الحصري، أن التكافل الحقيقي لا يقوم فقط على علاقة طرف يعطي وطرف يأخذ وإنما يقوم أيضًا على الأخوة الإنسانية والرحمة. مشيرًا إلى ضرورة احترام وتقدير المحتاج وتعزيز الثقة والتماسك داخل المجتمع من خلال تقديم الصدقة بأسلوب يحفظ كرامته.

كما تناول الدكتور أدهم تمام فراج عبد الرحمن – أستاذ بكلية الدراسات الإسلامية بجامعة الأزهر الشريف – خلال محاضرته بمسجد خاتم المرسلين النهي عن المن والأذى عند تقديم الصدقة. مستشهدًا بقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى﴾. مؤكدًا بأن العطاء الذي يصاحبه أذى أو إذلال يناقض مقصد الإحسان الذي شرعت لأجله الصدقة.

التعامل مع المحتاج ينبغي أن ينطلق من فهم نفسي واجتماعي لطبيعة احتياجه

وأوضح الشيخ أحمد عبد المنعم الغنام – مدير مكتب رئيس الإدارة المركزية لشئون الدعوة بوزارة الأوقاف – خلال محاضرته بمسجد مصطفى محمود، أنه يجب التعامل مع المحتاج انطلاقًا من فهم نفسي واجتماعي لطبيعة احتياجه. مؤكدًا بأن بعض الكلمات أو التصرفات التي قد تبدو بسيطة للمتصدق يمكن أن تترك أثرًا مؤلمًا في نفس المستفيد. داعيًا إلى تدريب القائمين على العمل الخيري على حسن التواصل ومراعاة مشاعر المستحقين.

وبيّن الدكتور أنس عطية محمد محمد – نائب رئيس جامعة مصر لشئون التعليم – خلال محاضرته بمسجد المجمع الإسلامي (أ)، أهمية صيانة كرامة المحتاج باعتبارها مسؤولية أخلاقية ومجتمعية. مؤكدًا أنه كلما وصلت قيمة الصدقة لمستحقها في ستر واحترام زادت أهميتها. مشددًا على ضرورة دعم المجتمع المتراحم للمحتاج لتجاوز أزماته دون زيادة شعوره بالحرج أو الانكسار.

وفي مديرية أوقاف الدقهلية، استعرض الدكتور هشام عبد المعطي عبد الغني– مدرس بقسم اللغويات بكلية اللغة العربية بالمنصورة بجامعة الأزهر الشريف – خلال محاضرته بمسجد النصر الدلالات اللغوية والشرعية للنهي عن المن والأذى في الصدقات. موضحًا بأن القرآن الكريم ربط الإنفاق بالإحسان قولاً وفعلًا، وأن المتصدق مطالب بجمع بين بذل المال وحسن الخطاب بما يصون كرامة الإنسان ويحفظ مشاعره.

وفي مديرية أوقاف أسيوط، تناول الدكتور حمدي أبو مساعد – أستاذ التخطيط الاجتماعي بجامعة أسيوط – خلال محاضرته بمسجد ناصر الآثار الاجتماعية والنفسية المترتبة على أسلوب تقديم المساعدات. مؤكداً بأن طريقة تقديم الصدقة لها تأثير لا يقل عن تأثير المساعدة نفسها على نفس المستفيد. وأن احترام المحتاج وإشعاره بالتقدير يعزز اندماجه المجتمعي ويحد من الآثار النفسية السلبية للفقر والحاجة.

في ختام الندوات، أكد المشاركون بأن الصدقة ليست مجرد مال يُعطى وإنما هي إحسان ورحمة وحسن معاملة. وأنه يجب وصولها إلى مستحقها دون أي نوعٍ من المنّ أو الأذى أو التجريح. كما أكدوا بأن صيانة كرامة المحتاج وحفظ مشاعره هي قيم أصيلة ينبغي أن تحكم العمل الخيري؛ مما يعزز ثقافة التكافل والتراحم ويسهم في بناء مجتمع أكثر تماسكاً وإنسانية.