في رسالة جديدة ضمن حملة «وعي»….

نشر الأزهر الشريف رسالة جديدة ضمن رسائل حملة «وعي»، التي تهدف إلى تفنيد الشبهات المثارة حول السنة النبوية وقضايا الدين والتاريخ الإسلامي، قدمها الدكتور محمد عبودة، المدرس بكلية الدعوة الإسلامية وعضو مرصد الأزهر للفتوى لمكافحة التطرف. وتناول فيها المزاعم المتداولة بشأن قصة أصحاب الفيل، مؤكدًا أن هذه الادعاءات تفتقر إلى الأدلة العلمية والتاريخية، وتستند إلى فرضيات سبق أن طرحها بعض المستشرقين دون أن تثبت صحتها.

وأوضح الدكتور محمد عبودة أن الادعاء بأن حادثة أصحاب الفيل لم تحدث وأنها مستوحاة من حروب المكابيين مع السلوقيين ليس اكتشافًا تاريخيًا جديدًا، بل هو إعادة إنتاج لأطروحات استشراقية قديمة. وأشار إلى أن خطورة هذه المزاعم لا تقتصر على البحث التاريخي فحسب، بل تمتد أيضًا إلى محاولة التشكيك في صدق الخبر القرآني الذي عرض القصة باعتبارها حدثًا معلومًا لدى العرب.

وأكد الدكتور عبودة أن المصدر الأول لإثبات الحادثة هو القرآن الكريم، حيث جاءت سورة الفيل بصيغة التذكير بواقعة معروفة للمخاطبين في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ﴾. وهذا يدل على رسوخها في الوعي العربي، كما دعمتها السنة النبوية الصحيحة، ومن ذلك ما رواه البخاري ومسلم عن النبي ﷺ: «إن الله حبس عن مكة الفيل وسلط عليها رسوله والمؤمنين»، فضلًا عن اتفاق كتب التفسير والسيرة والتاريخ الإسلامي على رواية تفاصيل الحادثة.

وأشار عضو مرصد الأزهر إلى أن الشواهد التاريخية لا تقتصر على المصادر الإسلامية فحسب، بل تؤيدها أيضًا نصوص الشعر الجاهلي التي وثقت ذكر أبرهة والفيل وجيش الحبشة وما حل بهم. وأوضح أن تعدد هذه الشواهد في مصادر مبكرة يعكس حضور الواقعة في الذاكرة العربية قبل الإسلام، مما ينفي الادعاء بأنها قصة أُنشئت في مرحلة لاحقة.

كما فنّد عبودة تصوير أبرهة كشخصية دينية فقط، موضحًا أن النقوش التاريخية، وفي مقدمتها نقش مريغان، تثبت أنه كان حاكمًا وقائدًا عسكريًا قاد حملات واسعة داخل الجزيرة العربية، مما يجعل حملته على مكة تتماشى مع السياق السياسي والعسكري لعصره.

وأوضح الدكتور محمد عبودة أن استخدام الفيلة في الحروب كان أمرًا معروفًا لدى حضارات متعددة. وأن مجرد وجود الفيل في حروب المكابيين لا يصلح دليلًا على اقتباس قصة أصحاب الفيل منها. خاصة وأن الرواية القرآنية تنفرد بعناصرها المميزة، ومنها إرسال الطير الأبابيل وهلاك الجيش بالحجارة، وهي أحداث لا ترد في الروايات التي يستند إليها أصحاب هذه المزاعم.

المراجع الأجنبية والإثيوبية تناولت السياق التاريخي لحملة أبرهة

وأضاف عضو مرصد الأزهر أن عددًا من المراجع الأجنبية والإثيوبية تناولت السياق التاريخي لحملة أبرهة وأشارت إلى وجود الفيلة في مملكة أكسوم وإمكانية نقلها إلى الجزيرة العربية. كما تحدثت بعض المصادر عن إصابة جيشه بوباء خلال الحملة، وهو ما يتماشى مع الإطار التاريخي المعروف للواقعة. مؤكدًا أن الاعتراض باستحالة انتقال الفيل عبر الصحراء يتجاهل طبيعة الحملات العسكرية المنظمة وقدرة الأفيال الإفريقية على قطع مسافات طويلة في البيئات الجافة.

وشدد عضو مرصد الأزهر للفتوى الإلكترونية على أن إنكار حادثة أصحاب الفيل لا يصمد أمام تضافر الأدلة القرآنية والحديثية والتاريخية والأدبية. مؤكدًا أن تناول الوقائع التاريخية يجب أن يقوم على التحقيق العلمي والرجوع إلى المصادر الموثوقة، وليس على فرضيات تثير الشكوك وتفتقر إلى الدليل.

يأتي ذلك في إطار توجيهات الإمام الأكبر الأستاذ الدكتور أحمد الطيب، شيخ الأزهر الشريف، بإطلاق حملة «وعي»؛ لمواجهة الشبهات المثارة حول السنة النبوية وقضايا الدين والتاريخ الإسلامي، من خلال محتوى علمي موثق يقدمه نخبة من علماء وباحثي الأزهر بلغة ميسرة، تستهدف ترسيخ الفهم الصحيح، وتحصين الشباب، وتعزيز الوعي بمنهج الأزهر الوسطي عبر منصاته الرقمية الرسمية.