رأى الدراسة ومصادرها العلمية
إن ما تم تناوله في هذه الدراسة يؤكد على أهمية دور الدولة في خلق حياة سياسية سليمة قادرة على تغيير المعادلة الانتخابية على جميع محاورها. ولا يمكن أن تتحقق حياة سياسية سليمة إلا بعودة الدولة إلى دورها الرقابي الاقتصادي والاجتماعي، مما سيساهم في:
1. تفكيك المنظومة الاقتصادية المشوهة الحالية.
2. تحجيم دور رجال الأعمال المتلاعبين بالأحزاب السياسية.
3. دفع المواطن للانخراط في العمل السياسي، بدلاً من تركه فريسة للجماعات المتشددة.
4. وضع حدٍ لظاهرة خلط العمل الحزبي بالعمل الاجتماعي أو الخيري.

هذا بالطبع مشروط بأن تكون لدى النخبة الحاكمة الرغبة في بناء أسس دولة مدنية تعددية يتم فيها تداول السلطة بين أيديولوجيات تتفق على الدولة وثوابتها، مع اختلافات فقط في تطبيقات وأساليب الإدارة، كما هو الحال في دول غرب أوروبا. أما إذا كانت النخبة الحاكمة ترفض ذلك أو تعتبره انتقاصًا من مكانتها، فإن ما نقدمه من دراسات ومناهج العلوم السياسية في جامعاتنا سيكون مجرد عبث.

هذا هو الأساس لمن يرغب في التغيير، إذ لا يصح الاستمرار في الحديث عن ديمقراطية أو تعددية أو شرعية دستورية منتظرة، بينما الواقع السياسي يعاني من الفقر الواضح. وإلا فإننا سنظل نغوص في تفريعات مذهب “الأوتوقراطية الليبرالية” التي يحددها الزعيم منفردًا، كأفضل البدائل وفق رؤية النظام الذي لم يفرض نفسه بقوة منطق أو سلطة، بل بسبب غياب رؤى الآخرين، وسط وضع اقتصادي غير جيد وواقع اجتماعي وأمني يحتاج إلى الكثير من الانضباط.

المسألة هنا هي أن النظام لا يمكن أن يكون نظامًا ومعارضة في نفس الوقت، كما تحاول الأحزاب الحالية تصويره بضعفها وانكسارها. يجب أن يدرك النظام جيدًا دروس الماضي والحاضر؛ حيث إن التنظيم السياسي لا يمكن مواجهته إلا بتنظيم سياسي مضاد. فإذا لم يكن موجودًا، فعليه أن يصنعه بوصفه آلية إدارة الدولة وليس كونه النظام ذاته، وإلا فإننا سنواجه السلطة المطلقة التي عُرفت منذ عهد آدم عليه السلام بأنها مفسدة مطلقة.

إلى اليوم، لا تزال السياسة المصرية تفتقر إلى مشروع حزبي وطني واضح المعالم يمكنه تمثيل القاسم المشترك لمجموعة الأرقام الفاعلة على الساحة المصرية. الأمر لا يتجاوز صراعات نفوذ وليس اختلافات توجهات؛ تحالفات تحركها الخصومات الشخصية بدلاً من التنافس الانتخابي أو مصلحة الوطن. هذا بجانب اقتناص مكاسب خاصة عبر سياسات حزبية عشوائية يغيب عن رؤيتها تربص الآخر الأجنبي الذي لا يعنيه وأد التطور الوطني سواء كان شقيقًا أو رفيقًا أو صديقًا.

كانت تلك خلاصة الملهاة أو المأساة التي صنعتها الحكومات والنخب الحزبية على حساب مستقبل الوطن طوال تاريخ مصر الحزبي الطويل. وأقسم أنه لو كان الأمر بيدي لاستحقت هذه الحكومات المحاكمة آلاف المرات منذ عام 1990 وحتى بعد 25 يناير 2011؛ حيث توفيت الحياة الحزبية بانبطاح معظم قيادات الأحزاب تحت أقدام السلطة وسعي أعضائها لفتات فضلات تلك القيادات بشكل مذل.

إن الأجيال التي نشأت مؤخرًا لم تعرف مفهوم الديمقراطية ولا التعددية ولا الدولة المدنية؛ بل ترسخ لديها أن الحكم العسكري هو الآلية الطبيعية الوحيدة لحكم مصر منذ وحد الفرعون مينا عام 3200 قبل الميلاد. لا يستثنى من ذلك التاريخ الطويل إلا حقبة تأسيس الدولة المدنية التي بدأت بوزارة نوبار باشا وانتهت بوزارة يحيى إبراهيم باشا عام 1924.

بعد يوليو 1952، ظلت مصر بين قوتين عظيمتين: الجيش بقوته والإخوان وتفريعاتهم الحديثة الذين يسيطرون على نسبة كبيرة من الشارع رغم الضغوط الأمنية المتلاحقة. بينما يكتفي الشعب بموروث ثقافة دولة النهر وبونات السوبر ماركت وصناديق المساعدات النقدية؛ وتكتفي الأحزاب بالكوتة الحكومية كسبوبة لبيع مقاعد البرلمان.

إن قدر مصر كما شخصه جمال حمدان.. (لا هي تنهار قط ولا هي تثور أبدًا ولا هي تموت أبدًا ولا هي تعيش تمامًا.. إنما هي تنحدر وتتدهور وتطفو وتتعثّر دون حسم نهائي.).

وهنا تنتهي دراستنا التي جاءت في 16 حلقة وأجزائها. أرفق مصادرها لمن أراد القراءة والاستزادة منها، مع شكري الجزيل لكل من اهتم وتابع هذه الدراسة. أسأل الله تعالى أن أكون قد قدمت قدرًا من الفائدة ولو كان بسيطًا.

نلتقي مع حضراتكم في دراسة جديدة إن أراد الله وكان في العمر بقية.. والسلام عليكم يا بلادي.

★ المراجع ومصادر الدراسة حسب الترتيب الأبجدي:

  • 1 ـ 11 امرأة غيرن تاريخ مصر ـ المصري اليوم، 15 سبتمبر 2014
  • 2 ـ ابراهيم ربيع ـ قيادى اخوانى منشق ـ تصريحات لجريدة الوطن
  • 3 ـ أبطال الجهاز السرى لثورة 1919ـ صبرى أبو المجد
  • 4 ـ أحمد السكرى.. طريد جنة الإخوان ـ تقرير للمصرى اليوم
  • 5 ـ أحمد السكرى.. أول مؤسس للإخوان مع البنا ـ بوابة الحركات الاسلامية