تعتبر الأحزاب، بمعناها الحقيقي، المحرك الفاعل للحياة السياسية والضمان القوي للديمقراطية، فإذا ضعفت الأحزاب، يضعف تمثيل الشعب ويصبح فريسة لاستبداد الحزب الواحد أو الحاكم الفرد، بينما إذا قويت، فإنها تعزز حضارة الأمة وتوفر البيئة المثالية لصناعة نخب متنوعة في جميع المجالات المجتمعية
في هذه الدراسة، نركز على مفهوم الحزب السياسي الحقيقي ووظائفه وتفاعلاته، دون أن ننسحب على الكيانات الحزبية التي تصنعها أجهزة الدولة في أي دولة كانت.
على الرغم من تغير الزمان والمكان وتباين الظروف التاريخية والبيئات المحلية والدولية بين الأمس واليوم والغد، واستحداث تعريفات ووظائف جديدة للحزب السياسي لمواكبة التطور وروح العصر، تبقى أبسط تعريفات الحزب السياسي ثابتة عبر العصور واختلاف المفاهيم. كما أشار علماء بارزون مثل “بنجامين كونستان” و”كارسون” و”بيردو” إلى أنه:
(كيان تنظيمي يضم مجموعة من الأشخاص الذين تلاقت أفكارهم السياسية وتوحدت جهودهم في العمل لترجمة تلك الأفكار إلى واقع ملموس من خلال السعي إلى السلطة بالطرق المشروعة عبر هيكل تنظيمي) – * د. سعاد الشرقاوي ـ النظم السياسية في العالم المعاصر ـ كلية الحقوق جامعة القاهرة.
قد يختلف ذلك عن التجربة العملية على الأرض، خاصة فيما يتعلق بجزئية “تلاقي أفكار الأعضاء” بالنسبة للأحزاب المصرية محل دراستنا. حيث يتضح أن التوصيف الأكاديمي ينطبق على ما هو معلن عنها بينما يختلف التطبيق العملي عنه إلى درجة الشك في جدوى وجود الحزب أو فكره السياسي من الأساس!
إذا غاب الفكر السياسي من البداية عن جمهور الحزب أو تباين الرأي حول تطبيق برنامجه بين منتسبيه وبين قيادته، أو تقاعست قيادته عن تحقيق ما اتفقت عليه مع جمهورها مقابل انتخابها، فإن الحزب نفسه يغيب بخروج كوادره من المشهد إما إقصاءً أو قهرًا أو اختيارًا إذا فشلت تلك الكوادر في إرغام القيادة بآليات شرعية على تصحيح انحراف مساره. وهنا يتحول الحزب إلى كيان عاطفي لدى البعض وباب للاسترزاق لدى البعض الآخر سواء كان استرزاقًا ماديًا أو معنويًا لتحقيق حظوة أو منصب أو مقعد نيابي.
تصنيف الأحزاب السياسية
استناداً إلى هذا التوصيف الأكاديمي، فقد صُنِفَت الأحزاب السياسية وفق ثلاثة معايير:
1. المعيار الأيديولوجي:
يركز على المسألة الأيديولوجية أو الفكرة العقائدية التي يتبناها الحزب باتفاق منتسبيه.
2. المعيار التنظيمي:
يستند إلى الجوانب التنظيمية الداخلية للحزب ويمايز بين أحزاب الكوادر وأحزاب الجماهير
(الأحزاب السياسية ـ موريس ديفرجيه ـ ترجمة علي مقلد وعبد المحسن سعد ـ قصور الثقافة).
3. المعيار الشخصي – الكاريزمي:
يقوم على مسألة الولاء لشخصية الزعيم القائد.
بناءً على هذه المعايير، يمكن تصنيف الأحزاب السياسية إلى ثلاثة أنواع:
أولاً: الأحزاب العقائدية:
ترتكز إلى عقيدة محددة، حيث تعتبر مهمة الحزب الأولى هي إقناع الجمهور بصحتها ومن ثم الوصول إلى السلطة لإدارة شؤون الحكم انطلاقًا من تلك العقيدة. يتميز هذا النوع بدقة التنظيم والتزام الأعضاء طواعيةً معنويًا وماديًا بما يقترب من مبدأ السمع والطاعة مما يجعل الحزب العقائدي وحدة قوية متكاملة تعمل في انسجام داخلي تام يغيب عنه التنافس المَرَضي كما نجد مثلًا في الأحزاب الدينية السياسية.
ثانياً: أحزاب الكوادر وأحزاب الجماهير:
• أحزاب الكوادر:
هي أحزاب ضعيفة العضوية تتشكل من النخب الاجتماعية التي تسعى إلى النجاح السياسي في قضية محددة من خلال عمليات الإقناع التي يغلب عليها الطابع الثقافي ولا تتوجه جديًا للجماهير إلا أثناء الحملات الانتخابية.
كمثال لذلك – حسب رأيي – أحزاب أقصى اليسار أو أحزاب الخضر أو تجربة حزب الجبهة الديمقراطية في مصر قبل اندماجه في حزب المصريين الأحرار وأيضًا تجربة الحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي.
• أحزاب الجماهير:
هي أحزاب كثيفة العضوية تهتم بجذب أكبر عدد ممكن من المواطنين إلى صفوفها من جميع فئات المجتمع بغض النظر عن مستواهم الاجتماعي أو الثقافي وخاصة الفئات الشعبية.
مثال ذلك في مصر – حسب رأيي – نجده في الأحزاب الدينية التي تستطيع استقطاب شريحة واسعة من الجمهور بشكل أو بآخر خاصة في ظل غياب أيدولوجيات سياسية أخرى فاعلة يمكنها المنافسة والاستقطاب.
• “الأحزاب المخضرمة”
وتقع هذه الأحزاب في المنتصف بين أحزاب الكوادر وأحزاب الجماهير حيث تضم عضويات كثيفة نسبيًا مقارنة بعدد الأعضاء في أحزاب أخرى ولكن ليس بالتناسب الطردي مع عدد سكان الدولة. ومعظم هذه العضويات تأتي من جماهير بسيطة لا تتمتع بالوعي السياسي نتيجة عوامل عدة تختفي داخل منظومة إدارة الحزب وليس بسبب أيدولوجيته أو أهدافه المعلنة!
كمثال لذلك في مصر تجربة حزب أحداث اليوم الجديد فرغم كثافة عضوياته بالمقارنة نجد أن الفاعل الحقيقي منها قد لا يتجاوز 5% حيث يرى بعض الأعضاء الحزب بمنظور عاطفي أو عائلي بعيدًا عن أي علاقة بالعمل السياسي وقضايا المجتمع والوطن وطريقة إدارة الحزب.
ثالثاً: أحزاب الأشخاص:
تتميز هذه الأحزاب بالولاء لشخصية الزعيم الذي ينشئ الحزب أو يقوده وهو الذي يوجه نشاطه ويضع برامجه ولوائح نظامه الداخلي ويغيرها دون الرجوع إلى قواعده وغالبًا ما يعود فقط لتمرير قراره وشرعنته.
مثال ذلك أيضًا – حسب رأيي – حزب أحداث اليوم الجديد خلال فترة زعيمه فؤاد سراج الدين حيث تقمص خلفاؤه نفس الروح الزعامية رغم افتقارهم لكاريزما الباشا مما جعل أعضاء الحزب يمنحون الثقة لكل من جاء بعده دون اعتبار لدور القواعد الشعبية التي جرى تغييبها عمداً عن عمليات التثقيف السياسي والتوعية بدور الحزب تجاه القضايا القومية مما كان أحد أهم أسباب غياب الكوادر السياسية عن الإطار التنظيمي للأحداث اليومية.
مع غياب الكوادر اتجه الحزب لفترة ما نحو التنسيق مع أحزاب السلطة منذ انتخابات 2015 والسعي نحو الكوتة الحكومية التي بدأت منذ انتخابات 1995 واستمرت حتى اليوم مما خلق بيئة سياسية فاسدة أدت لظهور مزاد علني بين أصحاب المال لبيع مقاعد البرلمان المخصصة للأحزاب ضمن الكوتة على حساب كوادره الحقيقية المستبعدة تحت سمع وبصر الأجهزة الرقابية للدولة!
نلتقي الحلقة القادمة مع المهتمين إن أراد الله تعالى وكان العمر بقيد..
سبحانه هو المستعان منه نهتدي وإليه نستند وبه تعالى نتأيّد
ولك يا مصر السلامة وسلاماً يا بلادي.

