كثيرًا ما تقودنا الصدفة إلى أسئلة تدفعنا للبحث، وهذا ما حدث لي عندما استوقفني مقطع فيديو عابر على إحدى المنصات الرقمية، حيث كانت موسيقاه تحمل حزنًا هادئًا. دفعني الفضول للبحث عنها، لأكتشف أنها أغنية “الليلة المظلمة”، إحدى أشهر الأغاني السوفيتية التي كُتبت عام 1943 أثناء الحرب العالمية الثانية، من ألحان نيكيتا بوغوسلوفسكي وكلمات فلاديمير أغاتوف، وغناها الفنان مارك بيرنس في فيلم “مقاتلان”.
تتناول الأغنية موضوع الإنسان في زمن الحرب أكثر من حديثها عن الحرب نفسها، حيث تصور جنديًا يقضي ليلته بين صوت الرصاص وصورة زوجته وطفله، مما يحول الحنين إلى لحن شجي ويجعل الخوف أكثر هدوءًا عندما يغنيه.
لكن المفاجأة لم تكن في تاريخ الأغنية، بل في الشعور بأنني قد سمعتها من قبل. إذ وجدت نفسي أستحضر جزءًا من لحن مستمد من التراث الأمازيغي والذي تم استخدامه في الفيلم المصري “الفيل الأزرق”.
لم يكن التشابه في الجملة اللحنية بالمعنى الحرفي، بل في المناخ النفسي الذي يخلقه اللحن، وفي تلك المساحة التي يلتقي فيها الحزن بالتأمل والسكينة بالغموض. كما أن هناك تقاربًا في الإحساس المقامي إلى جانب البطء الإيقاعي وطبيعة الأداء التأملي، وهي عناصر أسهمت في بناء حالة تعبيرية متقاربة رغم اختلاف المرجعية التاريخية والثقافية لكل منهما.
لذا بدا التشابه أقرب إلى البنية التعبيرية التي تصنع الأثر الوجداني، وليس التطابق اللحني الذي يمكن الاستدلال به على الاقتباس.
وهنا يبرز سؤال طالما أثاره النقد الموسيقي: هل كل تشابه بين عملين يعني وجود اقتباس؟ الإجابة ليست بهذه البساطة. فالنقد الموسيقي يفرق بين الاقتباس الذي ينتقل فيه جملة لحنية أو فكرة موسيقية يمكن التعرف عليها داخل عمل جديد، وبين التأثر الذي يتمثل في استلهام روح موسيقية أو بناء تعبيري دون نقل اللحن نفسه، وبين التشابه العفوي الذي قد ينشأ لأن الموسيقى مهما اختلفت ثقافاتها تلجأ أحيانًا إلى الوسائل التعبيرية نفسها للتعبير عن المشاعر الإنسانية ذاتها.
وقد أكد الناقد والمؤرخ الموسيقي الدكتور زين نصار في كتاباته عن التذوق والنقد الموسيقي أن الحكم على أي عمل لا يقوم على الانطباع السمعي وحده، بل على تحليل عناصره البنائية من المقام والحركة اللحنية والإيقاع والتكوين العام. وهذه رؤية تجعل التسرع في إطلاق أحكام الاقتباس نوعًا من التبسيط الذي لا يليق بفن واسع الأفق مثل الموسيقى.
لذا لا أستطيع أن أجزم بوجود علاقة مباشرة بين الأغنية الروسية واللحن الأمازيغي، ولا أملك ما يثبت انتقال فكرة موسيقية من أحدهما إلى الآخر. لكنني كمستمع وناقد أملك حق التساؤل: لماذا استطاع لحن خرج من قلب الحرب في أوروبا أن يوقظ داخلي الإحساس نفسه الذي صنعه لحن قادم من عمق التراث الأمازيغي؟
ربما لأن الموسيقى، في جوهرها، لا تعترف بالحدود الجغرافية؛ فالحزن لا يحتاج إلى مترجم والحنين لا يعرف لغة بعينها. منذ فجر التاريخ، يعبر الإنسان عن انكساراته بالأصوات ذاتها وإن اختلفت المقامات والآلات.
ولعل هذا هو سر الموسيقى الحقيقي؛ فهي لا توحد الألحان بل توحد المشاعر. فبين ليلة روسية مظلمة ولحن أمازيغي عابر للزمن اكتشفت أن أكثر ما يربط الشعوب ليس التاريخ المشترك وإنما الإحساس المشترك.. ذلك الذي يجعلنا أحيانًا نظن أننا سمعنا اللحن نفسه بينما الذي تشابه حقًا هو نبض الإنسان.

