سعدت كثيرًا بتلبية الدعوة لحضور افتتاح مقر القيادة الاستراتيجية للدولة المصرية “الأوكتاجون”. وبحكم عملي الأكاديمي، تابعت الحدث بعين الباحثة التي تقرأ ما وراء الصورة، وتبحث عن الرسائل الكامنة خلف المشاهد. لم يكن ما شهدناه مجرد افتتاح لصرح استراتيجي، بل كان خطابًا سياسيًا وإعلاميًا وبصريًا متكاملاً يحمل رسائل عديدة إلى الداخل والخارج.

وهذا أبرز ما استوقفني:.

1- أول ما لفت انتباهي أن الافتتاح لم يكن مجرد تدشين لمبنى جديد، بل كان رسالة تؤكد أن مفهوم الأمن القومي أصبح أكثر شمولاً، وأن الدولة المصرية تبني قدراتها وفق رؤية استراتيجية تعتمد على التخطيط والتكنولوجيا والانضباط والاستعداد للمستقبل.

2- كمتخصصة في العلاقات العامة والدبلوماسية العامة، وجدت أن الحفل صُمم بعناية ليكون رسالة اتصالية متكاملة تخاطب المواطن المصري والرأي العام العربي والمجتمع الدولي في الوقت نفسه. فكل تفصيلة من الإخراج إلى الموسيقى إلى الأفلام الوثائقية والعروض العسكرية كانت تحمل رسالة مدروسة عن قوة الدولة المصرية الذكية.

3- توقيت افتتاح هذا الصرح الاستراتيجي في ظل ما تشهده المنطقة من تحديات حمل رسالة واضحة، مفادها أن مصر تواصل البناء والتحديث بثقة، وأنها تمتلك مؤسسات قوية قادرة على حماية أمنها القومي مع استمرار مسيرة التنمية.

4- أعجبني أن الأفلام الوثائقية قدمت تاريخ الدولة المصرية باعتباره مسيرة وطن شارك في بنائها رؤساء وقادة ورجال دولة عبر مراحل مختلفة، دون إقصاء أو تهميش، مما يعكس احترام الدولة لتاريخها واستمرارية مؤسساتها.

5- كان الاستعراض العسكري نموذجًا رفيعًا في الانضباط والدقة، سواء في اصطفاف القوات أو أداء العناصر المشاركة، وهو ما يعكس حجم التدريب والكفاءة التي تتمتع بها القوات المسلحة المصرية.

6- العروض الجوية كانت من أكثر فقرات الافتتاح إبهارًا، ليس فقط لما أظهرته من مهارة فائقة للطيارين، وإنما أيضًا لما عكسته من امتلاك القوات المسلحة منظومات وتسليح متطور وقدرة عالية على تنفيذ المهام بدقة واحترافية.

7- الإعلان عن أنواع الطائرات المشاركة لم يكن مجرد استعراض للمعدات، بل رسالة تؤكد تنوع القدرات العسكرية المصرية والتطور الكبير الذي شهدته القوات المسلحة خلال السنوات الماضية.

8- أكثر ما أعجبني هو أن الرسالة لم تكن تمجيد السلاح في حد ذاته، وإنما إبراز الإنسان المصري الذي يقف خلف هذه المنظومة. فالمعدات المتطورة لا تحقق أهدافها إلا بعقول مدربة وكفاءات وطنية وانضباط وعقيدة راسخة.

9- لفت انتباهي التكامل الواضح بين مختلف الأفرع الرئيسية للقوات المسلحة، مما يعكس أن القوة الحقيقية لا تقوم على تميز فرع واحد وإنما على العمل الجماعي والتنسيق الكامل تحت قيادة استراتيجية موحدة.

10- هيبة الموسيقى العسكرية ومصاحبتها للأوركسترا أضافت بعدًا حضاريًا للمشهد وكأن الرسالة تقول إن القوة والانضباط لا يتعارضان مع الرقي والثقافة والفنون.

11- من أكثر التفاصيل التي تستحق الإشادة المستوى الاحترافي للإخراج التلفزيوني وزوايا التصوير واللقطات الجوية وجودة النقل المباشر، مما جعل الحدث يضاهي أكبر الاحتفالات العسكرية العالمية ويعكس صورة مشرفة لمصر أمام العالم.

12- أعجبني إذاعة أذان المغرب أثناء مراسم الافتتاح وعلى شاشات العرض في مشهد جمع بين الحداثة والاعتزاز بالهوية وأكد أن الدولة الحديثة لا تنفصل عن قيمها وثوابتها.

13- استهل فخامة الرئيس كلمته بتهنئة الشعب المصري بفوز منتخب مصر، وهي لفتة بسيطة لكنها عكست قرب القيادة من وجدان المواطنين وأن مشاركة الشعب أفراحه جزء من المشهد الوطني.

14- كما لفت انتباهي طلب السيد الرئيس من قائد السرية توجيه الجنود إلى “جنبا سلاح” بدلاً من “كتفا سلاح” وهو موقف إنساني يعكس تقديرًا لراحة المقاتل ويؤكد أن القيادة الحقيقية تجمع بين الحزم والرحمة.

15- كان مشهد الأطفال والتفاعل الإنساني لفخامة الرئيس والسيدة انتصار السيسي معهم من أكثر المشاهد دفئًا لأنه يعكس أن الاستثمار الحقيقي في الدولة يبدأ بالإنسان وأن الأجيال الجديدة هي الرهان الأكبر للمستقبل.

16- لاحظت أيضًا الهدوء والانضباط في إدارة الحفل ودقة التوقيت وسلاسة الانتقال بين الفقرات وهي أمور قد تبدو بسيطة لكنها تعكس عملًا مؤسسيًا احترافيًا قائمًا على التخطيط والإعداد الدقيق.

17- وكانت أولى رسائل فخامة الرئيس بشأن الإعلام ذات دلالة مؤسسية مهمة إذ أكدت مكانة وزارة الدولة للإعلام وأعادت التأكيد على دورها في تنسيق العمل الإعلامي إلى جانب المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام والهيئة الوطنية للإعلام والهيئة الوطنية للصحافة. كما أن الدعوة إلى عقد اجتماع سنوي برعاية سيادته تمثل خطوة مهمة نحو ترسيخ التنسيق المؤسسي وتطوير الأداء الإعلامي بصورة مستدامة.

18- وفي تقديري فإن الرسالة الأهم التي خرج بها هذا الحدث هي أن الدولة المصرية تقدم نفسها اليوم باعتبارها دولة مؤسسات تمتلك رؤية واضحة وتجمع بين القوة والتنظيم والهوية والبعد الإنساني مما يعزز صورتها وثقة مواطنيها بها ويعكس مكانتها أمام العالم.

ختاماً… خرجت من افتتاح “الأوكتاجون” وأنا أكثر اقتناعاً بأن بناء الدول لا يقوم فقط على امتلاك القوة وإنما على حسن إدارتها واحترام التاريخ والاستثمار في الإنسان والانضباط والتخطيط وتكامل مؤسسات الدولة. وما شاهدته كان نموذجًا يعكس هذه المعاني في صورة وطنية تليق بمصر.