في عمق الصحراء الغربية، بين واحتي الخارجة والداخلة، يحتفظ درب عين أمور بذاكرة طريق استخدمه الإنسان منذ عصور ما قبل التاريخ. وقد تحول عبر القرون إلى ممر رئيسي للقوافل، وموقع دفاعي، ومحطة للتزود بالمياه خلال الرحلات الطويلة عبر الصحراء.

تظل منطقة عين أمور شاهدة على حركة البشر والتجارة عبر العصور، حيث تركت الحضارات المتعاقبة آثارها في صورة نقوش ومعابد وبقايا زراعات قديمة وسط صحراء الوادي الجديد.

قال محمد إبراهيم، مدير عام الآثار المصرية بالخارجة، في تصريحات لـ”مصراوي”، إن درب عين أمور كان أحد المسارات المهمة التي ربطت بين واحة الخارجة وواحة الداخلة، واستمر استخدامه حتى القرن العشرين.

وأوضح أن المنطقة تضم معبدًا أثريًا مشيدًا من الحجر الجيري يعود إلى العصر الروماني، بالإضافة إلى بقايا عين مياه كانت تمثل مصدرًا حيويًا للقوافل أثناء عبورها بين الواحتين.

وأضاف أن النقوش والمخربشات القبطية والعربية الموجودة بالموقع تؤكد استمرار استخدام الطريق عبر فترات تاريخية مختلفة. كما توجد قلاع ونقاط مراقبة لعبت دورًا في حماية المسافرين وتأمين طريق التجارة القديم.

وأشار إلى أن الدراسات الأثرية الحديثة تؤكد أهمية هذا المسار. حيث تشير إلى أن دربي عين أمور والغباري كانا من أبرز الطرق التي ربطت الخارجة بالداخلة. وقد كشفت أعمال البحث عن شواهد متنوعة، بينها مسارات قديمة ونقوش صخرية وكتابات وقطع فخار ونقاط توقف تعود لفترات مختلفة.

تقع منطقة عين أمور شمال غربي مدينة الخارجة بنحو 80 كيلومترًا، بالقرب من هضبة أبو طرطور. وتجاور شبكة من المواقع والحصون التي ارتبطت بطريق التجارة القديم، بما في ذلك مناطق أم الدبادب واللبخة.

وقال محسن عبد المنعم، مدير الهيئة المصرية لتنشيط السياحة في الوادي الجديد، في تصريحات خاصة لـ”مصراوي”، إن النقوش الموجودة بالموقع تحمل دلالات على وجود بشري مبكر. ورغم تعرض أجزاء منها للتآكل بفعل عوامل الطقس والرياح، إلا أنها لا تزال تعكس تاريخ المنطقة.

وأوضح أن القلاع المنتشرة في المنطقة لم تكن منشآت منفصلة بل شكلت منظومة متكاملة لمراقبة طريق التجارة القديم وحماية القوافل. بينما ساعدت عيون المياه ومحطات الاستراحة على استمرار الحركة داخل الصحراء.

في مايو عام 1908، خاض عالم المصريات الأمريكي هربرت وينلوك رحلة بالجمال عبر واحات الصحراء الغربية وسجل مشاهداته عند درب عين أمور وعدد من المواقع الأثرية. وقد نشر يوميات رحلته في كتاب صدر عام 1936.

وأكد محسن عبد المنعم أن رحلة وينلوك أصبحت من المصادر المهمة لدراسة الطريق. مشيرًا إلى أن جامعة ييل وثقت تفاصيل الرحلة التي استغرقت نحو ثلاثة أسابيع وشملت تسجيل مشاهدات لعدد من المواقع مثل دير الحجر وإسمنت الخراب وأمهدة.

وأضاف أن ملاحظات الرحلة ساهمت في جذب اهتمام الباحثين إلى مواقع أثرية لم تحظ بدراسة واسعة في ذلك الوقت قبل أن تتوالى البعثات الأجنبية وأعمال المسح الأثري للكشف عن أسرار منطقة عين أمور.

رغم القيمة التاريخية الكبيرة لدرب عين أمور، لا يزال الوصول إليه يمثل تحديًا أمام الزائرين إذ يمر الطريق عبر كثبان رملية ومسارات وعرة تتطلب استخدام سيارات مجهزة. ويحتاج الزائر بعد ذلك إلى السير في مناطق جبلية للوصول إلى بعض الشواهد الأثرية.

ويمنح هذا الطريق الرحلة طابعًا استكشافيًا مميزًا لكنه يتطلب توفير وسائل أمان وإرشاد لحماية النقوش والمباني الأثرية من العبث أو التأثيرات الناتجة عن الزيارات غير المنظمة.

وقال عبد المنعم إن جهود تنشيط السياحة الأثرية في الوادي الجديد تشمل إعداد برامج للوصول إلى المواقع الصحراوية وربطها بأنماط سياحية أخرى مثل السياحة البيئية والعلاجية ورحلات السفاري.

وأوضح أن المحافظة تمتلك مقومات سياحية متنوعة تجمع بين المواقع الأثرية والثقافية والعيون الجوفية والمياه الساخنة. مشيرًا إلى أن الوادي الجديد يضم أكثر من 120 موقعًا أثريًا و50 مزارًا سياحيًا ما يفتح المجال أمام إنشاء مسارات سياحية متكاملة.

يعد معبد عين أمور وعين المياه التاريخية من أبرز معالم المنطقة. بالإضافة إلى آثار زراعات قديمة تؤكد أن الموقع لم يكن مجرد محطة عبور على طريق التجارة القديم بل كان نقطة تجمع واستقرار خلال فترات تاريخية مختلفة.

قال خالد شتوي، وكيل مكتب وزارة السياحة السابق وأحد أبناء واحة الخارجة، إن تطوير البنية الأساسية وتسهيل الوصول إلى المنطقة يمكن أن يحولا درب عين أمور إلى مقصد سياحي مهم لمحبي السياحة الأثرية والطبيعة الصحراوية.