يبدو أن اجتماع “سرت” قد يكون بمثابة المحرك لمزيد من اللقاءات والتوافقات بين المؤسسات السياسية، مما يساهم في إنهاء حالة الانقسام والصراع، والاتجاه نحو مصالحة شاملة تعيد وحدة الدولة الليبية وسيادتها. هناك روح تفاؤل واسعة تجاوزت أصداءها الحدود، بعد الاجتماع العسكري الذي عُقد في مدينة “سرت” يوم الأحد الماضي، والذي جمع بين رئيسي أركان الجيش في الشرق، الفريق أول خالد حفتر، وفي الغرب، الفريق أول صلاح الدين المرموش. يُعتبر هذا الاجتماع خطوة أولى على مسار بناء الثقة وإمكانية توحيد المؤسستين العسكريتين، مما يتطلب بالضرورة إعادة مؤسسات الدولة لأداء دورها العام وتحقيق الأمل الليبي في مصالحة وطنية تعيد الأمن والاستقرار للبلاد.

على الرغم من عدم صدور قرارات دراماتيكية أو خارطة طريق جديدة عن اجتماع “سرت”، إلا أنه يمثل خطوة مهمة وعميقة نحو معالجة الانسداد السياسي والعسكري عبر منصات النقاش والحوار. وما يبدو كاجتماع محدود اليوم قد يتطور ليصبح عملية أوسع تهدف إلى دمج وتشكيل المؤسسات العسكرية والسياسية والاقتصادية، واستعادة سيادة الدولة الموحدة مع جميع مكونات الشعب الليبي لتحقيق مصالحة وطنية تعوض ما فقدته البلاد بسبب الصراعات المستمرة على مدى 15 عامًا منذ اغتيال الرئيس معمر القذافي عام 2011 خلال أحداث ما عُرف بـ”الربيع العربي” وتدخلات خارجية استهدفت النظام.

تلاقت رغبات طرفي الاجتماع “حفتر” و”المرموش” بحضور نائبة الأمين العام للأمم المتحدة والمبعوثة إلى ليبيا، مما يعطي أملاً في التوجه نحو حل الأزمة الليبية. حيث اتفق الطرفان على مواصلة العمل من أجل توحيد المؤسسة العسكرية وتعزيز التعاون والتنسيق بين القيادات العسكرية في الشرق والغرب، دون تجاوز دور اللجنة العسكرية المشتركة “5+5” المعنية بمراقبة وقف إطلاق النار بين الفصائل الليبية بتكليف من اتفاق “سويسرا” عام 2020. وقد التزم الطرفان بدعم جهود هذه اللجنة واعتبارها الإطار الرئيسي للتنسيق العسكري، مما يعكس النية لتحقيق تسوية سياسية وعسكرية ستظهر بوضوح من خلال الاجتماعات المشتركة.

على مدى السنوات الماضية، عانت ليبيا من اضطرابات سياسية وأمنية أدت إلى انهيار مؤسسات الدولة واستبدالها بجماعات مسلحة وتشكيلات عسكرية ذات ولاءات داخلية وخارجية استغلت الفراغ الأمني لتفرض مناطق نفوذها. هذا الوضع أدى إلى انقسام مؤسسات الدولة وتعدد الحكومات المتنافسة وهيئات التشريع المتنازعة بين الشرق والغرب، مما هيأ المناخ للاقتتال الدامي بين الجماعات المسلحة. ويُذكر أن أخطر تلك الصراعات كانت الحرب التي دارت في العاصمة “طرابلس” عامي 2019 و2020 قبل أن تتوقف باتفاق عام 2020 بتشكيل لجنة “5+5” العسكرية التي ساهمت في وقف إطلاق النار والتحضير لجهود التسوية السياسية.

رغم مبادرات الأمم المتحدة لاحتواء الأزمة بدءًا من اتفاق “الصخيرات” في المغرب عام 2015 الذي فشل في تحقيق أهدافه لإعادة بناء المؤسسات السياسية، وما تبعه من مؤتمر “برلين” عامي 2019 و2020 ثم ملتقى الحوار الليبي الذي أسفر عن تشكيل سلطة تنفيذية انتقالية في العاصمة “طرابلس”، لم تشهد البلاد خطوات فعالة نحو توحيد المؤسسات أو حتى التحضير لانتخابات وطنية رئاسية وتشريعية حتى الآن. وبالتالي تتجه الأنظار إلى الاجتماعات العسكرية بين الشرق والغرب لتكون منصة تتيح مصالحة وطنية تشمل جميع المكونات وتعزز الأمن والاستقرار للدولة. ومن المحتمل أن تكون القاهرة معنية بدفع هذا المسار نحو النجاح ضمن رؤيتها وجهودها نحو المصالحة وتأمين الحدود الغربية مع الجانب الليبي.