إيران تعيد ترتيب أولوياتها وأوروبا تواجه تحديات جديدة
تأتي تصريحات المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية، إسماعيل بقائي، في سياق تصاعد التوترات المرتبطة بالهجمات التي استهدفت إيران، حيث وسّعت طهران دائرة الاتهامات لتشمل حلف شمال الأطلسي “الناتو” وبعض الدول الأعضاء فيه. وتعكس هذه المواقف مساعي إيران لتحميل الأطراف التي تعتبرها مشاركة أو متواطئة في العمليات العسكرية مسؤولية قانونية وسياسية، في وقت تتزايد فيه النقاشات الدولية بشأن شرعية استخدام القوة واحترام قواعد القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة.

وفي هذا السياق، يرى منتظر العطية، الصحافي والباحث في شؤون الشرق الأوسط، في تصريح لـ”الأيام نيوز”، أن النقاش لا ينبغي أن يبدأ من موقف إيطاليا ورومانيا، بل من مشروعية الحرب نفسها، موضحا أن السؤال الأساسي يتمثل في مدى قانونية الحملة العسكرية الأمريكية-الصهيونية ضد إيران. ويؤكد أن غالبية الباحثين والمتخصصين في الشأن الإيراني يعتبرون أن هذه الحرب افتقرت إلى الغطاء القانوني الدولي، الأمر الذي يضع جميع الأطراف الداعمة لها أمام تساؤلات قانونية وسياسية معقدة.
ويشير منتظر العطية إلى أن غياب المشروعية القانونية للحرب لا يعني بالضرورة أن إيران ستبني سياساتها الخارجية المقبلة على هذا الأساس وحده، إذ يرجح أن تتعامل طهران بواقعية سياسية مع المرحلة المقبلة، وأن تعيد تقييم علاقاتها مع الولايات المتحدة وفقا لما ستسفر عنه “مفاوضات الستين يوما”، باعتبارها محطة قد تحدد طبيعة العلاقة بين الطرفين خلال السنوات المقبلة.
ويضيف منتظر العطية، في حديثه لـ”الأيام نيوز”، أن هذا المنطق سينطبق أيضاً على علاقات إيران المستقبلية مع الدول الأوروبية التي وُجهت إليها اتهامات بالمشاركة غير المباشرة في العمليات العسكرية، وعلى رأسها إيطاليا ورومانيا، موضحاً أن طهران لن تعتمد فقط على ما جرى خلال الحرب، بل ستراقب مواقف هذه الدول خلال المرحلة السياسية المقبلة، ومدى استعدادها للانخراط في مسار أكثر استقلالية عن السياسة الأمريكية.
ويؤكد منتظر العطية أن إيران بعد خروجها من الحرب، لا تبدو معنية بالرهان على القانون الدولي أو على قدرة المؤسسات الأممية في إنصافها، مشيراً إلى أن الخطاب الإيراني الحالي يتوجه بدرجة أكبر إلى الداخل الإيراني أكثر من توجهه إلى المجتمع الدولي، في محاولة لتعزيز التماسك الداخلي وإعادة إنتاج رواية سياسية تمنح السلطة شرعية إضافية في مرحلة ما بعد الحرب.
ويشرح منتظر العطية أن السلطات الإيرانية تسعى إلى ترسيخ قناعة لدى الرأي العام الداخلي بأن البلاد واجهت ما يشبه “حربا عالمية” شاركت فيها قوى متعددة، لكنها تمكنت من الصمود والحفاظ على قدراتها الاستراتيجية، وهو خطاب يهدف إلى احتواء الخلافات الداخلية وتعزيز الالتفاف الشعبي حول مؤسسات الدولة في ظل الظروف الإقليمية المعقدة.
كما يرى منتظر العطية أن طهران تعمل على إبراز سيطرتها على مضيق هرمز باعتبارها أحد أبرز عناصر القوة التي حافظت عليها خلال الحرب، إذ تحاول تقديم هذا المعطى باعتباره دليلا على احتفاظها بأوراق ضغط استراتيجية مؤثرة في أمن الطاقة العالمي وحركة الملاحة الدولية، بما يمنحها هامشاً أكبر في أي مفاوضات مقبلة مع الولايات المتحدة أو القوى الغربية.
ويعتبر منتظر العطية أن الرواية الإيرانية تركز كذلك على التأكيد بأنها تمكنت من إلحاق خسائر كبيرة بالولايات المتحدة، الأمر الذي دفع واشنطن، وفق الخطاب الإيراني، إلى العودة إلى طاولة المفاوضات، وهو ما تسعى طهران إلى تسويقه داخلياً باعتباره نتيجة تعكس نجاح سياسة الصمود، وتؤسس لصيغة تفاوضية تقوم على مبدأ “رابح-رابح” بدلاً من فرض الإملاءات من طرف واحد.
ويذهب منتظر العطية إلى أن التطورات الأخيرة تضع الدول الأوروبية أمام اختبار سياسي جديد، إذ بات مطلوباً منها إعادة تقييم سياساتها تجاه إيران، خاصة في ظل المتغيرات التي فرضتها الحرب، وما أفرزته من واقع إقليمي مختلف عن السنوات الماضية، وهو ما قد يدفع بعض العواصم الأوروبية إلى مراجعة حساباتها الاستراتيجية.
ويختم منتظر العطية بأن أوروبا تجد نفسها اليوم مطالبة أكثر من أي وقت مضى بإعادة النظر في النهج الذي اتبعته خلال ولاية الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الأولى، عندما سارت خلف قرار واشنطن بالانسحاب من الاتفاق النووي مع إيران. ويعتبر أن التطورات الحالية قد تدفع عدداً من الدول الأوروبية إلى تبني مقاربة أكثر استقلالية تقوم على تغليب الحوار والدبلوماسية لتجنب انزلاق المنطقة نحو موجة جديدة من التصعيد وعدم الاستقرار.

