دخل عقد المحروقات المتعلق بالمحيط التعاقدي “إليزي جنوب”، الموقّع بين مجمع سوناطراك وشركة مداد للطاقة شمال إفريقيا السعودية، بصيغة تقاسم الإنتاج، مرحلة التحضير العملي للتنفيذ، في خطوة تعكس انتقال المشروع من مرحلة الالتزامات التعاقدية إلى مرحلة التجسيد الميداني الفعلي.
تكتسي هذه المرحلة أهمية خاصة بالنظر إلى طبيعة المشروع وموقعه داخل حوض إليزي، أحد أهم الأحواض الطاقوية في الجنوب الشرقي للجزائر، فضلاً عن اعتماده على صيغة تقاسم الإنتاج التي أصبحت تمثل إحدى الآليات الرامية إلى استقطاب الاستثمارات الأجنبية وتعزيز الشراكات الاستراتيجية في مجالات الاستكشاف والتطوير والإنتاج.
كما يبرز هذا المشروع مجموعة من المؤشرات الاقتصادية والاستثمارية المهمة، سواء من خلال ما يمكن أن يتيحه من فرص لدعم القدرات الإنتاجية الوطنية وتوسيع النشاط الاستكشافي، أو من خلال انعكاساته المحتملة على ترقية المحتوى المحلي ونقل الخبرات والتكنولوجيا وتوسيع مجالات التعاون بين مختلف الفاعلين في قطاع المحروقات.
ويعكس المشروع في الوقت ذاته استمرار اهتمام المستثمرين الدوليين بالسوق الجزائرية، في ظل توجه يستهدف بناء شراكات اقتصادية أكثر توازناً تقوم على تطوير مشاريع ذات أثر اقتصادي مباشر وقيمة مضافة عالية، بما يدعم مساعي الجزائر في تثمين مواردها الطاقوية وتعزيز مكانتها ضمن خارطة الطاقة العالمية.
مشروع “إليزي جنوب” استثمار في مستقبل الجزائر الطاقوي.
أكد الدكتور حاتم حركاتي، خبير السياسات الاقتصادية، في تصريح لـ”الأيام نيوز”، أنه لا يمكن قراءة مشروع “إليزي جنوب” على أنه مجرد عقد جديد في قطاع المحروقات أو اتفاق استثماري تقليدي يضاف إلى سلسلة الاتفاقيات التي شهدها القطاع خلال السنوات الماضية، بل ينبغي النظر إليه باعتباره أحد أهم المشاريع الطاقوية والاستثمارية التي عرفتها الجزائر خلال العقد الأخير، سواء من حيث الحجم المالي أو طبيعة الشراكة الدولية أو الإمكانات الجيولوجية الضخمة التي يستهدفها.

وأوضح أن العالم يعيش اليوم مرحلة غير مسبوقة من التنافس على مصادر الطاقة، حيث أصبحت السيطرة على الموارد الطاقوية وتأمين الإمدادات إحدى أهم أدوات النفوذ الاقتصادي والجيوسياسي. وأضاف أن الدول التي نجحت في تحويل ثرواتها الطبيعية إلى مشاريع إنتاجية كبرى هي نفسها الدول التي تمكنت من تحقيق قفزات اقتصادية وصناعية معتبرة خلال السنوات الأخيرة.
وأشار إلى أن مشروع “إليزي جنوب” يأتي ليؤكد أن الجزائر تواصل تعزيز موقعها كفاعل رئيسي في سوق الطاقة الإقليمية والدولية، وتمتلك من الإمكانات والقدرات ما يسمح لها بلعب أدوار أكبر خلال العقود المقبلة.
وأوضح حركاتي أن الانتقال من مرحلة التوقيع إلى مرحلة التحضير الفعلي للتنفيذ يحمل دلالات اقتصادية واستراتيجية عميقة، لأن الاقتصاد لا يبنى بالاتفاقيات الموقعة على الورق، وإنما بالمشاريع التي تنزل إلى الميدان وتتحول إلى استثمارات حقيقية ومناصب عمل وإنتاج وصادرات وقيمة مضافة.
وأضاف أنه عندما نتحدث عن مشروع بقيمة استثمارية إجمالية تقارب 5,4 مليارات دولار، فإن الأمر لا يتعلق برقم مالي مجرد، بل بتدفقات مالية ضخمة ستتحول إلى معدات وتجهيزات وتقنيات متطورة وخبرات عالمية وآلاف ساعات العمل ومئات عقود المناولة، إضافة إلى فرص الشراكة للمؤسسات الجزائرية الناشطة في مجالات الحفر والخدمات البترولية والنقل والهندسة والصيانة والأشغال الصناعية.
وأكد أن هذا الحجم من الاستثمارات يضع المشروع ضمن قائمة أكبر المشاريع الطاقوية التي أطلقت في الجزائر خلال السنوات الأخيرة، ويعكس كذلك حجم الثقة التي أصبحت تحظى بها الجزائر لدى المستثمرين الدوليين في قطاع الطاقة.
وأشار المتحدث إلى أن أهمية المشروع تتضاعف بالنظر إلى ما تمتلكه الجزائر من احتياطيات مؤكدة تتجاوز 12 مليار برميل من النفط وأكثر من 2300 مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي، إضافة إلى نحو 22 ألف مليار متر مكعب من الغاز الصخري وحوالي 1200 مليار برميل من النفط الصخري.
وأكد أن هذه المعطيات تضع الجزائر ضمن أكبر الدول الطاقوية في العالم من حيث الإمكانات الجيولوجية الكامنة، خاصة مع امتلاك البلاد أكثر من مليون ونصف مليون كيلومتر مربع من الأحواض الرسوبية القابلة للاستكشاف، وهي مساحة ضخمة لا تزال أجزاء واسعة منها بحاجة إلى مزيد من الدراسات والاستكشافات.
وأضاف أن الإمكانات الحقيقية للجزائر في مجال المحروقات ما تزال أكبر بكثير من الاحتياطيات المؤكدة حالياً.
حوض إليزي ركيزة تاريخية للطاقة.
وأوضح حركاتي أن حوض إليزي يعد أحد أهم الأحواض الرسوبية في القارة الإفريقية ومنطقة البحر الأبيض المتوسط، إذ ساهم لعقود طويلة في دعم الإنتاج الوطني من النفط والغاز واحتضن عدداً من أهم الاكتشافات الطاقوية في تاريخ الجزائر.
وأضاف أن قوة هذا الحوض تكمن في امتلاكه بنية تحتية متطورة تشمل شبكات النقل وخطوط الأنابيب ومحطات المعالجة ومنشآت التصدير، ما يسمح بتقليص تكاليف التطوير وتسريع دخول أي اكتشافات جديدة إلى مرحلة الإنتاج التجاري.
وأشار إلى أن المعطيات التقنية للمشروع تتوقع إنتاجاً يقارب 993 مليون برميل مكافئ نفطي خلال فترة الاستغلال، منها حوالي 125 مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي القابل للتسويق وأكثر من 204 ملايين برميل من المحروقات السائلة.
وأوضح أن هذه الأرقام ليست مجرد مؤشرات تقنية بل تمثل ثروة اقتصادية ضخمة قادرة على إحداث أثر ملموس على الاقتصاد الوطني لعقود طويلة.
وأضاف أن إنتاج 125 مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي يعادل استهلاك دول كاملة لسنوات عديدة كما يمثل حجماً قادراً على تعزيز صادرات الجزائر نحو الأسواق الأوروبية والآسيوية في ظل الطلب العالمي المتزايد على الغاز الطبيعي.
كما تمثل المحروقات السائلة المقدرة بأكثر من 204 ملايين برميل مورداً مالياً ضخماً تقدر قيمته بعشرات المليارات من الدولارات وفق مستويات الأسعار الدولية الحالية.
وأكد حركاتي أن أهمية المشروع تبرز أيضاً من خلال طبيعة الشريك الأجنبي المستثمر حيث تمثل شركة “مداد للطاقة” السعودية أحد المستثمرين الجدد الذين اختاروا الجزائر كوجهة استراتيجية طويلة المدى.
وأوضح أن هذا الاختيار يحمل مؤشرات مهمة بشأن تحسن مناخ الأعمال في الجزائر وتعزيز جاذبية الإطار القانوني للاستثمار خاصة بعد الإصلاحات التي شهدها قانون المحروقات وقانون الاستثمار.
وأشار إلى أن الاستثمارات الدولية الكبرى لا تبحث فقط عن الموارد الطبيعية بل تبحث أيضاً عن الاستقرار القانوني والوضوح التشريعي والقدرة على تحقيق مردودية اقتصادية طويلة الأجل.
ومن الناحية الاقتصادية يرى المتحدث أن الأثر الحقيقي لهذا المشروع يتجاوز بكثير قيمة الاستثمار المعلنة لأن التجارب الاقتصادية العالمية تؤكد أن كل دولار يستثمر في قطاع المحروقات يولد قيمة إضافية في قطاعات أخرى مرتبطة به بشكل مباشر وغير مباشر.
وأضاف أن المشروع سيخلق طلباً إضافياً على خدمات النقل واللوجستيك والأشغال العمومية والهندسة الميكانيكية والكهربائية والصناعات المعدنية والخدمات التقنية ومكاتب الدراسات ومؤسسات التكوين.
كما سيمنح فرصاً جديدة للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة الجزائرية للدخول في سلاسل القيمة المرتبطة بالصناعة الطاقوية.

وأوضح حركاتي أن القيمة الحقيقية لهذه المشاريع لا تكمن فقط في عوائدها المالية بل أيضاً فيما تحمله من معارف وخبرات وتقنيات حديثة خاصةً في ظل الثورة التكنولوجية التي تشهدها صناعة النفط والغاز العالمية والتي تعتمد على الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات الضخمة والنمذجة الرقمية وتقنيات الحفر الذكي.
وأضاف أن إدخال هذه التقنيات إلى الجزائر عبر مشاريع بهذا الحجم لا ينعكس على المشروع وحده بل يمتد أثره إلى الجامعات ومراكز البحث ومكاتب الدراسات والمؤسسات الجزائرية والمهندسين والتقنيين بما يساهم تدريجياً في تكوين رأسمال بشري وطني أكثر تنافسية.
وأشار المتحدث إلى أن الجزائر تمتلك أكثر من 22 ألف كيلومتر من شبكات نقل المحروقات ومنشآت تسييل وتصدير تعدّ بين الأكبر والأكثر تطوراً في القارة الإفريقية فضلاً عن موقعها الجغرافي الاستراتيجي القريب من أهم الأسواق الأوروبية.
وأضاف أن التحولات الجيوسياسية التي شهدتها أسواق الطاقة خلال السنوات الأخيرة رفعت من أهمية الجزائر كشريك موثوق لتأمين الإمدادات الطاقوية نحو أوروبا.
وأكد أن أهمية مشروع “إليزي جنوب” تتجاوز البعد الاقتصادي المباشر لتشمل أبعاداً استراتيجية وجيوسياسية ترتبط بمكانة الجزائر في خريطة الطاقة العالمية.
وأضاف أن الرهان الحقيقي اليوم لا يكمن فقط في استخراج النفط والغاز بل في تحويل هذه الثروة إلى محرك للتنويع الاقتصادي والتصنيع ونقل التكنولوجيا وخلق مؤسسات قادرة على المنافسة إقليمياً ودولياً.
وأشار إلى أنه عندما تتحول المشاريع الطاقوية الكبرى إلى جسور نحو الصناعة والتكنولوجيا والابتكار فإن الجزائر تكون قد وضعت أسس مرحلة اقتصادية جديدة أكثر قدرة على صناعة الثروة وتحقيق الإقلاع الاقتصادي المنشود.

