لا توجد فرصة أفضل لإعادة ترتيب مشهد الإعلام الرياضي من اللحظة الراهنة. حالة التأييد الجماهيري التي يحظى بها منتخب مصر بعد إنجازه التاريخي في كأس العالم تدعم هذا الطرح بقوة. فقد شهد الإعلام الرياضي في السنوات الأخيرة فوضى وعشوائية، أدت في بعض الأحيان إلى تأجيج مشاعر الغضب وإثارة الفتنة على نطاق واسع!

الأيام القليلة التي سبقت انطلاق المونديال شهدت حالة من الجنون والشطط التي تجاوزت إشكالية الحوار المتبادل ووجهات النظر. برامج رياضية، بمذيعيها ومعدّيها وضيوفها، أعلنت الحرب على المنتخب، حتى أن بعضها حاول تجريده من انتسابه إلى “مصر” ونسبه إلى المدير الفني فقط.

لم تتوقف هذه الحملة العدوانية حتى بعدما تجاوز المنتخب دور المجموعات ودور الـ32! كما لم يتردد بعض من يصفون أنفسهم بالنقاد والمحللين، بينهم لاعبون فاشلون ومدربون بلا إنجازات، في إعلان تشجيعهم لمنافسي المنتخب؛ كيدًا بالمدير الفني بسبب اختياراته للاعبين.

ومع انتهاء البطولة ووداع المنتخب مرفوع الرأس، رغم أنوف هؤلاء، مُحاطًا بحالة تعاطف عالمية، يتوجب على الجهات المعنية في مصر، وعلى رأسها المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، اتخاذ قرارات وإجراءات تنظيمية جادة لترتيب المشهد الإعلامي الرياضي وتنقيته مما يشوبه من فوضى وعشوائية وعصبية وجهل وكراهية وسطحية.

الإجراءات المحدودة التي اتخذها المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام سابقًا، مثل ضغط زمن البرامج الرياضية وإلغاء الفقرة التحكيمية، لم تكن كافية للسيطرة على المحتوى المثير للجدل والانقسام والغضب. حان الوقت لاتخاذ خطوات جادة لإعادة الانضباط إلى هذه البرامج بعدما تحولت بعضها إلى منصات للسب والقذف والابتذال.

مصر ليست أقل شأنًا من الدول العربية المجاورة التي تقدم إعلامًا رياضيًا منضبطًا وهادئًا. يجب إعداد قوائم سوداء بأسماء المذيعين والمعدين والضيوف الذين يسعون وراء الشهرة والتراتيند ويفتقرون إلى الحد الأدنى من المهنية والأدب والعقل واستبعادهم تمامًا. كما ينبغي أن تشمل الإجراءات التنظيمية برامج البودكاست والصفحات الشخصية ولا تقتصر على القنوات التلفزيونية فقط؛ لأن معظم النار من مستصغر الشرر.

نتطلع خلال الفترة المقبلة إلى تدشين إعلام رياضي مهني ورشيد ومهذب يبني ولا يهدم، ويصنع وعيًا بدلاً من تدميره. يجب أن ينأى عن الجعجعة والتحريض على الفتنة ونشر روح الكراهية والغضب والتعصب بين المصريين.

وهذا لن يتحقق عبر “قعدات العرب” أو بيانات مواقع التواصل الاجتماعي، بل يتطلب عملية حقيقية من الفرز والتنقية؛ بحيث لا يظهر على الشاشة أو عبر الأثير أو في الفضاء الإلكتروني إلا من هو مؤهل أخلاقيًا ومهنيًا وإعلاميًا ورياضيًا وإنسانيًا. فهل أنتم فاعلون؟