تأتي توجيهات الرئيس عبد الفتاح السيسي بإطلاق منصة وطنية تفاعلية للشباب تحت رعايته في توقيت تزداد فيه الحاجة إلى توسيع قنوات التواصل بين الدولة والأجيال الجديدة، بما يتجاوز فكرة التواصل التقليدي إلى بناء مساحة حقيقية للحوار وطرح الأفكار والمبادرات. فالمنصة، إذا جرى توظيفها بالشكل الأمثل، يمكن أن تصبح جسراً بين طموحات الشباب واحتياجات المجتمع، ومنصة لا تكتفي بالاستماع إلى الأفكار، وإنما تساعد على تطويرها وتحويل القابل منها إلى مشروعات ومبادرات ذات أثر ملموس.

المعلومات المضللة والاستقطاب الرقمي.

وتكتسب هذه الخطوة أهمية خاصة في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم، والتي جعلت الشباب أكثر قدرة على الوصول إلى المعلومات والتفاعل مع القضايا العامة، وفي الوقت نفسه أكثر تعرضاً للتحديات المرتبطة بالمعلومات المضللة والاستقطاب الرقمي. ومن هنا، فإن إشراك الشباب في الحوار الوطني والمجتمعي لم يعد رفاهية، بل أصبح ضرورة لبناء وعي قادر على فهم المتغيرات والتعامل معها بصورة أكثر نضجاً ومسؤولية.

وتحمل فكرة المنصة دلالة تتجاوز مجرد إطلاق أداة رقمية جديدة، إذ تعكس أهمية النظر إلى الشباب باعتبارهم أحد أهم مصادر القوة الناعمة والقدرة على التجدد داخل الدولة المصرية. فالأجيال الجديدة تمتلك طرقاً مختلفة في التفكير والتواصل، وتملك قدرة على ابتكار حلول غير تقليدية. وهو ما يجعل منحها مساحة حقيقية للتعبير والمشاركة فرصة لتطوير العمل الوطني والاستفادة من طاقات موجودة بالفعل داخل المجتمع.

ومن هنا، فإن نجاح المنصة لن يقاس بعدد المشاركات أو الأفكار التي تستقبلها، وإنما بقدرتها على الانتقال من مرحلة استقبال الأفكار إلى مرحلة صناعتها وتطويرها وتنفيذها. فالشاب الذي يطرح مبادرة جادة يحتاج إلى أكثر من مجرد منصة تنشر فكرته؛ يحتاج إلى آلية واضحة للتقييم، وإلى متخصصين يساعدونه على تطويرها، وإلى جهة قادرة على احتضانها وتحويلها إلى مشروع قابل للتنفيذ.

ويمكن للمنصة أن تصبح مساحة لاكتشاف المواهب والكفاءات في مختلف المجالات من التكنولوجيا وريادة الأعمال إلى العمل المجتمعي والثقافة والعلوم والابتكار. كما يمكن أن تتيح فرصاً أمام الشباب من مختلف المحافظات والمناطق للوصول إلى دوائر المشاركة بعيداً عن فكرة حصر اكتشاف الكفاءات في دوائر محدودة أو في نطاق جغرافي معين.

البناء على تجربة تمكين الشباب

وخلال السنوات الماضية، شهدت الدولة المصرية اهتماماً متزايداً بملف تأهيل وتمكين الشباب من خلال برامج ومبادرات هدفت إلى إعداد كوادر شابة ومنحها فرصاً للمشاركة في الحياة العامة والعمل التنفيذي والسياسي.

والمرحلة المقبلة تتطلب البناء على هذه التجربة وتوسيع نطاقها بحيث لا تقتصر المشاركة على برامج التأهيل فقط، وإنما تمتد إلى إعطاء الشباب أدواراً أكثر ارتباطاً بصناعة الحلول وتحمل المسؤولية واتخاذ المبادرة.

فالتأهيل الحقيقي لا يكتمل بمجرد الحصول على دورات أو حضور مؤتمرات، وإنما يبدأ عندما يحصل الشاب على فرصة حقيقية لاختبار أفكاره وتحمل نتائج قراراته والتعلم من التجربة.

الشباب طرف أساسي فيها

ولا يمكن الحديث عن تمكين الشباب دون التوقف أمام قضية الوعي باعتبارها واحدة من أهم المعارك التي تواجه المجتمع في عصر تتدفق فيه المعلومات على مدار الساعة.

الشاب اليوم لا يتلقى المعلومات من المدرسة أو الجامعة أو وسائل الإعلام التقليدية فقط، وإنما يتعرض يومياً لكم هائل من المحتوى عبر منصات التواصل الاجتماعي. وبين المعلومات الصحيحة والمضللة يصبح امتلاك أدوات التفكير النقدي والتحليل والتحقق من المصادر ضرورة أساسية.

ومن هنا، يمكن للمنصة الوطنية أن تؤدي دوراً مهماً في دعم ثقافة الوعي من خلال توفير محتوى معرفي موثوق وإتاحة نقاشات جادة حول القضايا التي تشغل الشباب وتشجيعهم على التفكير والتحليل بدلاً من الاكتفاء بالتلقي أو إعادة نشر المعلومات دون تحقق. فالمجتمع الذي يمتلك شباباً قادراً على التحقق من المعلومات ومناقشتها بعقل نقدي هو مجتمع أكثر قدرة على مواجهة الشائعات والتضليل والاستقطاب.

مدرسة للمسؤولية والانتماء

ومن الملفات المهمة التي يجب أن تحظى بمساحة داخل المنصة تعزيز ثقافة التطوع والمبادرة المجتمعية. فخدمة المجتمع لا تبدأ دائماً من المؤسسات الكبرى وإنما قد تبدأ بفكرة صغيرة يطرحها شاب أو مبادرة لخدمة منطقة سكنية أو مشروع تطوعي لمساعدة فئة تحتاج إلى الدعم.

وعندما يشعر الشاب بأن لديه دوراً حقيقياً يمكن أن يصنع فارقاً في حياة الآخرين تتشكل لديه تدريجياً قيم المسؤولية والانتماء والعمل الجماعي. ولهذا فإن دعم المبادرات الشبابية المجتمعية يمكن أن يحول المنصة من مجرد مساحة إلكترونية إلى أداة حقيقية لربط الشباب باحتياجات مجتمعاتهم وتشجيعهم على الانتقال من مرحلة الحديث عن المشكلات إلى المشاركة في تقديم الحلول.

من اكتشاف الكفاءات إلى صناعة القيادات

وتبقى المؤسسات السياسية والمجتمعية مطالبة بفتح مسارات أكثر اتساعاً أمام الشباب ليس فقط لاكتشاف الكفاءات بل لتأهيلها ومنحها الثقة والمساحة لخوض تجربة العمل العام. فصناعة القيادات لا تحدث بين ليلة وضحاها وإنما تحتاج إلى تراكم الخبرات والاحتكاك بالمشكلات الحقيقية وتحمل المسؤولية والعمل وسط فرق مختلفة والقدرة على اتخاذ القرار.

يمكن للمنصة أن تكون إحدى الأدوات التي تساعد على اكتشاف أصحاب الأفكار والقدرات ثم ربطهم بالبرامج والمؤسسات والجهات التي تستطيع تطوير مهاراتهم وإتاحة فرص حقيقية أمامهم.