قد يبدو هذا الوصف مبالغًا فيه، لكن عندما تتجمع بعض العوامل في إدارات معينة أو بيئات العمل، قد تظهر ملامح تشبه نظام “العصابة”، ومنها: الغموض الشديد، ضعف الشفافية، السرية المفرطة، مركزية القرار، الاستحواذ على المكافآت والحوافز بسرية تامة، احتكار المعلومات، تهميش الكفاءات والخبرات، وتجاهل الموظفين ذوي السنوات الطويلة في المجال المهني دون منحهم مناصب إدارية أو تحسين رضاهم الوظيفي.

كما يتجلى ذلك في تجاهل تطوير الموظفين مهنياً أو أكاديمياً ومركزية الصلاحيات عند المدير ومعاونيه فقط، مما يؤدي إلى اتخاذ قرارات مصيرية دون إشراك بقية الموظفين أو حتى إشعارهم. وقد تشمل هذه القرارات فرص تطوير مهني للموظف أو انتقاله إلى مكان آخر أفضل له مادياً ومهنياً. بالإضافة إلى استغلال آلية تمكين القيادات الشابة ليس للتطوير والتحسين بل كوسيلة لتكميم أفواه بقية الموظفين وتجاهل الخبرات والكفاءات وتحجيمها.

الأعجب من ذلك هو ما يمكن تسميته بـ(الاتفاق العجيب)، حيث نجد جميع المعنيين يتبنون الرأي نفسه تجاه قضية معينة أو أشخاص بعينهم وكأن بينهم تنسيقاً خفياً يوحي باتحاد المصالح وليس المهنية والاحترافية في إدارة العمل. هذا الأمر يشكل تكتلات داخلية (مثل “نحن” مقابل “هم”) داخل فريق العمل أو الإدارة، مما يخلق تحالفات أو جبهات ضمنية تؤدي إلى انتشار التنمر الوظيفي والعزل الجماعي. وهذا يشبه ما يُعرف بـ(قانون العصابة) التي تفرض قواها ضمنياً.

الأخطر من ذلك هو عندما تتواصل هذه العصابات داخل المنشآت الكبيرة وتتفق على رأي تجاه فئة من الموظفين لمحاولة تأطيرهم في نطاق محدد بحيث لا يشكلون تهديداً على مناصبهم أو مميزاتهم المادية، مما يؤدي إلى التضييق عليهم ومنع تسربهم أو انتقالهم.

لا أعلم حقيقة إن كان ما يحدث نابعاً من سوء نية متعمدة أم من حسن نية مشوبة بضعف هذه الكفاءات أم نتيجة لتغليب المصالح الشخصية على العامة، أو حتى بسبب طول بقاء هذه الكيانات والقيادات في المناصب وضعف تفسير اللوائح والأنظمة التي تنظم بيئة العمل.

تشير الدراسات الحديثة في الإدارة والسلوك التنظيمي إلى أن نظام العصابة القائم على التكتلات والشليلة يعد من أخطر ما يهدد العدالة التنظيمية وصحة بيئة العمل. فقد أظهرت دراسات عربية ومحلية أن الغموض والمركزية وضعف الشفافية يخلقون بيئة خصبة لتكون جماعات ذات نفوذ داخل المؤسسات تتحكم في القرارات وتوزيع الفرص مما يؤدي إلى تفشي التنمر الوظيفي والعزل الاجتماعي وانخفاض الولاء والانتماء المؤسسي.

كما أكدت أبحاث جامعية أن انتشار التحزب داخل بيئة العمل يضعف الثقة بين الموظفين ويقلل الإنتاجية ويزيد معدلات التسرب الوظيفي لأن الولاء يتحول من المؤسسة إلى المجموعة المسيطرة.

تخلص هذه الدراسات إلى أن بيئة العمل التي تدار بهذه الطريقة تفقد قيم العدالة والكفاءة وتتحول إلى ساحة صراع خفي ينخر الأفراد ويقوض أهداف المؤسسة. لذا من الضروري أن تتبنى المؤسسات قيادات مؤهلة تدرك أهمية توفير بيئة عمل آمنة وداعمة نفسياً وتعتمد على العدالة وتقدير الكفاءات والخبرات وتحفيزهم إدارياً ومادياً.

كما ينبغي اعتماد معايير موضوعية لاختيار المديرين وتوزيع المناصب وتعزيز شعور الموظفين بأهمية دورهم المحوري في تحقيق أهداف المؤسسة والمشاركة في قراراتها مما يسهل تحقيق الرضا الوظيفي لهم وتحسين بيئات العمل وخلق مساحات أرحب وتوازن أفضل بين بيئة العمل والحياة الاجتماعية والشخصية للموظفين.

لذا أقترح أنه قبل تولي أي مدير أو مسؤول منصباً عليه الالتحاق بدورات تدريبية مكثفة في الإدارة والأنظمة وكيفية التعامل مع الموظفين وإدارة تحسين بيئة العمل لهم.