حدد قانون الإجراءات الجنائية الجديد الإطار القانوني المنظم لكافة مراحل الدعوى الجنائية، بدءًا من جمع الاستدلالات والتحقيق الابتدائي، مرورًا بإجراءات المحاكمة، وصولاً إلى طرق الطعن وتنفيذ الأحكام.
حرص المشرع منذ صدور هذا القانون على إرساء قواعد إجرائية تكفل تحقيق العدالة الجنائية، من خلال الموازنة بين حق الدولة في العقاب وحماية النظام العام، وضمان حقوق الأفراد وحرياتهم بما يتوافق مع أحكام الدستور والمواثيق الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان.
ومع التطورات المتسارعة التي شهدتها المنظومة القانونية والقضائية، وما فرضته الظروف العملية والتكنولوجية من تحديات جديدة، أجرى المشرع تعديلات عدة على قانون الإجراءات الجنائية، استهدفت تحديث آليات التقاضي وتعزيز سرعة الفصل في الدعاوى دون المساس بالضمانات الأساسية للمحاكمة العادلة.
ومن أبرز هذه المستجدات التنظيم القانوني لإعادة التحقيق في بعض الحالات، بالإضافة إلى استحداث نظام المحاكمة عن بُعد باستخدام وسائل الاتصال المرئي والمسموع، مما يعكس توجهًا تشريعيًا نحو تطوير منظومة العدالة الجنائية والتحول الرقمي في العمل القضائي.
تعتبر إعادة التحقيق إحدى أهم الضمانات الإجرائية التي قررها المشرع لتصحيح ما قد يشوب التحقيقات السابقة من قصور أو خطأ، ولتمكين سلطة التحقيق من إعادة بحث الدعوى كلما ظهرت أدلة أو ظروف جديدة يمكن أن تغير وجه الرأي فيها.
نظم قانون الإجراءات الجنائية هذه المسألة في أكثر من موضع، ومن أهمها المادة (213) التي تجيز العودة إلى التحقيق إذا ظهرت أدلة جديدة بعد صدور الأمر بعدم إقامة الدعوى، بحيث تكون هذه الأدلة قادرة على تعزيز الاتهام أو تغيير التقدير السابق للواقعة.
كما منح القانون النيابة العامة، باعتبارها صاحبة الاختصاص الأصيل في مباشرة الدعوى الجنائية والتحقيق فيها، سلطة إعادة فتح التحقيق متى توافرت الشروط القانونية، فضلًا عن سلطة المحكمة في إجراء التحقيقات التكميلية أثناء نظر الدعوى وفقًا للأحكام المنظمة لذلك.
لم يقتصر المشرع على إعادة التحقيق خلال مرحلة ما قبل المحاكمة، بل امتدت ضمانات تصحيح الأخطاء القضائية إلى مرحلة ما بعد صدور الأحكام من خلال تنظيم التماس إعادة النظر باعتباره طريقًا استثنائيًا للطعن في الأحكام الجنائية النهائية، وذلك في المواد (441) إلى (453) من قانون الإجراءات الجنائية.
حدد المشرع حالات هذا الالتماس على سبيل الحصر، ومن بينها ظهور المجني عليه حيًا بعد الحكم في جريمة قتل، أو صدور أحكام متناقضة، أو ثبوت تزوير المستندات أو الشهادات التي بُني عليها الحكم، أو ظهور وقائع أو أوراق جديدة يمكن أن تثبت براءة المحكوم عليه؛ بما يحقق مبدأ العدالة ويحول دون استمرار تنفيذ حكم ثبت عدم مطابقته للحقيقة.
أدخل المشرع نظام المحاكمة عن بُعد ضمن منظومة التقاضي الحديثة في إطار التعديلات التي أجريت على قانون الإجراءات الجنائية؛ حيث أجاز استخدام وسائل وتقنيات الاتصال الحديثة في مباشرة بعض إجراءات المحاكمة. يسمح هذا النظام بحضور المتهم وسماع أقواله ومرافعة الدفاع عبر وسائل الاتصال المرئي والمسموع مع مراعاة جميع الضمانات الدستورية والقانونية مثل حق الدفاع وعلانية الجلسات وتمكين المتهم من التواصل السري مع محاميه والتحقق من شخصيته وتوثيق جميع الإجراءات بمحاضر الجلسات الرسمية.
يهدف هذا النظام إلى تحقيق عدة اعتبارات مهمة؛ منها سرعة الفصل في القضايا وتقليل مخاطر نقل المتهمين وخفض النفقات والأعباء الأمنية وضمان استمرار سير العدالة في الظروف الاستثنائية مع الالتزام الكامل بأحكام الدستور ولا سيما ما يتعلق بحقوق الدفاع وضمانات المحاكمة المنصفة المنصوص عليها في المادة (96) من دستور جمهورية مصر العربية.
تكتسب دراسة نظامي إعادة التحقيق والمحاكمة عن بُعد أهمية علمية وعملية كبيرة؛ لارتباطهما الوثيق بتحقيق العدالة الجنائية من جهة وتطوير الإجراءات القضائية بما يتلاءم مع التطورات التشريعية والتكنولوجية من جهة أخرى. لذا يتناول هذا المبحث بيان التنظيم القانوني لكل من إعادة التحقيق والمحاكمة عن بُعد في قانون الإجراءات الجنائية المصري مع تحليل النصوص القانونية المنظمة لهما وبيان شروط تطبيقهما وضماناتهما وأبرز الإشكاليات القانونية والعملية التي تثيرها هذه الأنظمة في التطبيق القضائي.

