يعيش العراق اليوم عاصفة غير مسبوقة، حيث اهتزت أركان الأقوياء وارتبك الجميع، مما دفع الكل لإعادة حساباته. الحملة الحالية شرسة، وما كان مقبولاً سابقاً لم يعد كذلك، والأرض ومن عليها مرعوبون من المقصلة التي لن تستثني أحداً.

عاش العراق لعقود طويلة على بقايا النار والرماد، حيث انقلب صدام حسين على عبد الرحمن عارف، وبعد أسبوعين استدار على حلفائه في الانقلاب مثل رئيس الوزراء عبد الرزاق النايف وأحمد حسن البكر الذي نفاه وأجبره على التذرع بالمرض ليستولي على الحكم.

أما سوريا، فهي ليست قصتي اليوم، لكن ما حدث في دمشق يشبه ما جرى في بغداد ويستحق الذكر. غدر حافظ الأسد بصلاح جديد رفيق الأمس المعروف بقوته، خلال ما سمي بـ«الحركة التصحيحية» عام 1970، مما أضعف الدولة المدنية بقيادة أمين الحافظ. وفي النهاية، سيطر ابن القرداحة على البلاد واستمر حزب البعث في قبضته العسكرية والمخابراتية حتى أزيح ابنه بشار في ديسمبر 2024.

أعود الآن للعراق، حيث يبدو أن علي الزيدي رئيس الوزراء الحالي الذي تولى منصبه مؤخراً يحمل أجندة تتضمن محورين رئيسيين: الأول هو محاربة الفساد والفاسدين، والثاني هو حصر السلاح السائب بيد الدولة.

صحيح أن المحور الأول بدأ تنفيذه في المنظور السائد، إلا أنه وفق تصوري سيصل إلى حدود معينة وسيتصادم مع المتنفذين في السياسة والاقتصاد. فالنخب السياسية في العراق أقوى من الدولة بسبب الاستنادات الطائفية والمذهبية التي تأخذ توجيهاتها من الخارج وتستند عليه للتغطية. أما المتكسبون من العقود الاقتصادية فهم من السهل اصطيادهم كما شهدنا خلال حملات القبض على أعضاء البرلمان العراقي وغيرهم.

الزيدي الذي خاطب ساسة ومجتمع العراق بنبرة عالية لم تعتد عليها تلك المجاميع يبدو أنه يعتمد على دعم أمريكي – وإن لم يكن مباشراً – لأنه إذا قاد حملته الإصلاحية بناءً على توجهات الولايات المتحدة الأمريكية سيقع بفخ مفهوم «الأداة»، مما يعني أنه سيتحول لمجرد مؤدٍ لسياسات واشنطن ويفقد بذلك استقلاليته الوطنية.

وعلاوة على ذلك، حصل الزيدي على مباركة زعامات شيعية مؤثرة في المشهد العراقي مثل مقتدى الصدر زعيم التيار الصدري الذي تُؤخذ آراؤه بعين الاعتبار ولا تقبل الجدال خاصةً بين صفوف الطائفة الشيعية ولا يقل مكانته الدينية والمعنوية عن المرجعية الشيعية العليا بقيادة علي السيستاني.

كصحفي أطرح العديد من الأسئلة المشروعة: ما الآلية التي سيتمكن عبرها الزيدي من حصر سلاح الميلشيات بيد الدولة؟ كيف سيتعامل مع المصالح الحزبية الضيقة؟ ماذا عن سرطان الطائفية المستشرية؟ ما الأسلوب الذي سينفذه لقطع دابر التدخلات الخارجية؟ إلى أين ستتجه العلاقة مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية التي يؤكد العراقيون أنها المتحكمة بمفاصل الدولة وتملك نفوذاً واسعاً؟ وهل يستطيع رفع سقف الرقابة القضائية؟ وما خطة التعامل مع النفط ومقدرات بلاد الرافدين؟ وإلى أين سينتهي ملف ارتباط بغداد بجيرانها بما في ذلك السعودية والكويت ودول الخليج الأخرى؟ وكيف سيرفع مستوى قيمة مؤسسات الدولة التي فقدت هيبتها بعد 2003 وإسقاط النظام البعثي؟

برأيي مهمة رئيس الوزراء العراقي محفوفة بالكثير من الأشواك وهو يدرك تماماً أنه أمام طريق مليء بالقنابل والألغام التي قد تفقده وجوده وحياته في لحظة غير معلومة.

هذا الأمر ليس تنظيراً بل مقتبس من حديث الزيدي نفسه. فمضامين الحوار الذي أجراه معه الزميل غسان شربل رئيس تحرير «صحيفة الشرق الأوسط» تحمل أهمية كبيرة وتشير إلى أن العراق القادم لن يكون كما كان سابقاً. والأهم أنه يستشعر حجم التحدي الذي يواجهه.

يقول الزيدي: «أنظر إلى الموت على أنه لقاء مع الله سبحانه. هو أرخص شيء نقدمه للعراق. لن أترشح لولاية أخرى. ولن أؤسس حزبا سياسيا. أنا حريص على أن يخرج العالم بصورة عن العراق بأنه منبع حقيقي للقادة وأن أبناءه بإمكانهم حكم هذا البلد العريق. لن أسمح بأي إملاءات من خارج الحدود لا من الشرق ولا من الغرب. قرار العراق هو قرار شعبه وما يقوله البرلمان وعلى الحكومة أن تطبق ذلك. لا مكان للفساد ولا للسلاح خارج الدولة. لن توجد أي جهات تحمل السلاح خارج إطار الدولة وسيتنعم العراقيون بثروة بلادهم».

إن العراق بتاريخه العريق يجب أن يُنظر إليه ككيان أكبر من أي طائفة أو فاسد أو مجرم أو منفذ لمنهجية مقيتة مقابل حفنة من المال الزهيد. يجب أن يعود لما كان عليه واحة للجمال والعلم والثقافة بشرط لفظ الجبابرة.

لقد أعجبتني مقدمة المعلم غسان وشدتني رسالة الزيدي للمرتشين: «لن أقبل حتى لو ربطة عنق».