حذر الإعلامي والكاتب الصحفي إبراهيم عيسى من خطورة التطورات المرتبطة بسد النهضة الإثيوبي، مؤكدًا أن تصريحات المسؤولين في إثيوبيا بشأن التحكم في تدفق المياه إلى دول المصب، بالإضافة إلى الحديث عن بناء ثلاثة سدود جديدة، تفرض على مصر إعادة تقييم طريقة تعاملها مع هذا الملف.
وقال “عيسى” خلال فيديو له عبر قناته الرسمية على “يوتيوب”، إن الحديث عن إنشاء ثلاثة سدود جديدة، بجانب سد النهضة، يعني أن إثيوبيا قد تصبح صاحبة قدرة أكبر على التحكم في تدفق مياه النيل إلى مصر والسودان. وأشار إلى أن الأمر يتجاوز مجرد تخزين المياه إلى امتلاك القدرة على التأثير في تدفقها.
إثيوبيا تملك مفتاح النيل
أوضح الإعلامي والكاتب الصحفي أن إثيوبيا، وفق التصريحات المتداولة، تتحدث عن احتجاز كميات ضخمة من المياه من خلال السدود. لافتًا إلى أن سد النهضة تبلغ سعته التخزينية نحو 74 مليار متر مكعب، بينما قد تصل السعة الإجمالية مع السدود الثلاثة الجديدة إلى نحو 224 مليار متر مكعب.
وأضاف إبراهيم عيسى أن هذا يعني، من وجهة نظره، أن إثيوبيا قد تصبح صاحبة “مفتاح” تدفق مياه النيل. مؤكدًا أن القضية لا تتعلق بإغلاق النهر أمام مصر، وإنما بالتحكم في تدفق المياه، وهو ما قد ينعكس على الزراعة ومياه الشرب ومختلف الاستخدامات المرتبطة بنهر النيل.
الحلم الإثيوبي تحقق رغم التحفظات المصرية
وأشار الإعلامي إبراهيم عيسى إلى أن مصر كانت تنظر إلى مشروع سد النهضة عند الإعلان عنه عام 2011 باعتباره مشروعًا قد لا يكتمل. إلا أن إثيوبيا مضت قدمًا في تنفيذ المشروع حتى افتتاحه رسميًا عام 2025، رغم المحاولات المصرية للوصول إلى إطار قانوني يضمن حقوق مصر المائية.
وقال إن إثيوبيا نجحت في تنفيذ ما أعلنته بشأن السد بينما لم تحقق مصر ما طرحته من مطالب وضمانات. معتبرًا أن هذه النتيجة تستدعي مراجعة شاملة لأداء الدولة المصرية في إدارة ملف السد على مدار السنوات الماضية.
اتفاق 2015 لا علاقة له باضطرابات يناير
رفض “عيسى” اختزال أسباب تعثر الموقف المصري في ملف سد النهضة بأحداث عام 2011 وما تبعها من اضطرابات سياسية وأمنية. موضحًا أن الاتفاق الإطاري الذي وقعته مصر والسودان وإثيوبيا كان في عام 2015، أي بعد سنوات من بداية المرحلة الانتقالية.
وأضاف أنه كان ينبغي لمصر خلال تلك الفترة استعادة تماسك مؤسسات الدولة. متسائلًا عن أسباب عدم تحقيق نتائج ملموسة خلال السنوات التالية رغم استمرار المفاوضات والوساطات والتحركات الدولية.
14 عامًا من المفاوضات انتهت إلى لا شيء
أوضح أنه على مدار نحو 14 عامًا خاضت مصر مفاوضات ومباحثات ووساطات ولجأت إلى لجان دولية ومجلس الأمن. إلا أن المحصلة لم تتضمن الحصول على أي من المطالب الأساسية التي طرحتها القاهرة بشأن ضمانات تشغيل السد وحماية حقوقها المائية.
وأشار إلى أن المشكلة ليست فقط في وقوع ضرر مباشر حاليًا ولكن أيضًا في خطر وقوع الضرر مستقبلًا. معتبرًا أن امتلاك إثيوبيا القدرة على التأثير في تدفق المياه يمثل مصدر قلق لمصر.
التصريحات لا تكفي.. كيف تتحول المواقف إلى واقع؟
انتقد الكاتب الصحفي إبراهيم عيسى الاكتفاء بالتصريحات الرسمية التي تؤكد حقوق مصر في مياه النيل. معتبرًا أن القضية الأساسية تتمثل في كيفية تحويل هذه التصريحات إلى إجراءات ونتائج ملموسة على الأرض. خاصة وأن مصر أعلنت مواقف مماثلة طوال السنوات الماضية دون الوصول إلى اتفاق ملزم.
وتساءل: “كيف يمكن تحويل هذه التصريحات إلى واقع؟” مؤكدًا أن استمرار إصدار التصريحات دون نتائج ملموسة لا يغير حقيقة التطورات التي شهدها ملف سد النهضة.
تحذير من تكرار الرهان على عدم قدرة إثيوبيا
انتقد “عيسى” أيضًا التعويل على عدم قدرة إثيوبيا المالية والمادية لبناء ثلاثة سدود جديدة. مشيرًا إلى أنه تم الترويج لحجج مشابهة سابقًا بشأن قدرة إثيوبيا على تمويل سد النهضة قبل تنفيذ المشروع بمشاركة مستثمرين وجهات وبنوك دولية.
وأضاف أنه إذا تكرر الرهان على عدم قدرة إثيوبيا الاقتصادية لتنفيذ مشروعاتها فقد يؤدي ذلك لتكرار الخطأ نفسه. داعيًا للتعامل مع التصريحات الإثيوبية باعتبارها خططًا يجب دراستها بجدية وليس مجرد دعاية للاستهلاك الداخلي.
وتطرق إبراهيم عيسى لأزمة المياه في مصر معتبرًا أنها تعاني بالفعل من ندرة مائية وأن أي تطور يؤدي لزيادة الضغوط على الموارد المائية يمثل أزمة حقيقية.
وأوضح أن محدودية الموارد المائية تجعل الاعتماد على تحلية مياه البحر وحده حلًّا مكلفًا مشيرًا لارتفاع تكلفة عمليات التحلية والحاجة لاستثمارات ضخمة بالإضافة لمحدودية الكميات التي يمكن توفيرها مقارنة بحجم الاحتياجات المصرية.
ماذا لو تحققت خطة السدود الثلاثة؟
طرح “عيسى” سؤالاً حول السيناريو المحتمل إذا نفذت إثيوبيا خطتها لبناء ثلاثة سدود جديدة وارتفاع إجمالي السعات التخزينية التي تحدث عنها من نحو 74 مليار متر مكعب إلى حوالي 224 مليار متر مكعب.
وقال إن مصر مطالبة بالتعامل مع المستقبل منذ الآن وليس انتظار تحقق السيناريو ثم التحرك. متسائلًا عما إذا كانت السنوات الماضية شهدت إعداداً كافيًا لمواجهة مثل هذا الاحتمال.
وشدد إبراهيم عيسى على ضرورة استخدام “خيال مختلف” كما وصفه، عند التعامل مع الملف الإثيوبي موضحاً أن المقصود بالقوة لا يقتصر فقط على القوة العسكرية بل يشمل أدوات سياسية واقتصادية وغيرها من وسائل التأثير.
وأكد أنه ليس دعاة للحرب أو الضربات العسكرية مشيرًا لأن بناء جيش قوي هدفه الأساسي الردع ومنع الآخرين من التفكير بالاعتداء وليس الدخول في حروب.
القوة ليست عسكرية فقط
أوضح عيسى أنه يجب الدفاع عن حقوق مصر بشكل يتجاوز السياسة والعسكرية ليشمل أدوات أخرى معتبرًا وجود مساحات بين السياسة والعمل العسكري يمكن استخدامها للتأثير والضغط.
وأشار كذلك لأهمية التفكير بأساليب جديدة بعدما لم تحقق الأدوات المستخدمة خلال السنوات الماضية النتائج المستهدفة.
وقال “عيسى” إن المواطن المصري يدرك جيداً أنّ الدولة لم تتجاهل ملف سد النهضة وأنّها استخدمت أدوات سياسية وقانونية مختلفة ولكن النتيجة كانت غير ناجحة وفق تقييمه.
وشدد أنّ الحفاظ على مياه النيل يمثل أحد الأدوار الأساسية للدولة المصرية تاريخياً.
النيل في قلب مشروع الدولة المصرية
أشار “عيسى” الى أنّ الحفاظ على نهر النيل وتدفق مياهه ارتبط تاريخياً بقيام الدولة المصرية حيث اعتبر جزءاً من مشروع تحديث مصر مرتبطاً بمحاولات تعزيز القدرة للتعامل مع منابع النيل.
وأكد أنّ المقصود ليس السيطرة العسكرية أو الاحتلالية بل امتلاك القدرة لحماية المصالح المصرية وضمان احترام حقوقها بمياه النهر.
واختتم الكاتب الصحفي إبراهيم عيسى حديثه بالتأكيد أنّ مصر أمام أزمة حقيقية تتعلق بمنابع النيل مؤكداً أنّ استمرار تجاهل الملف أو الانشغال بقضايا أخرى لن يلغي المشكلة.
وتساءل “عيسى” حول الشيء الذي تنتظره مصر وسط استمرار التصريحات الإثيوبية والتحديات المرتبطة بمستقبل السدود داعياً لتبني رؤية جديدة ومختلفة للتعامل مع الملف بما يحمي المصالح المصرية ويضمن عدم تكرار إخفاق السنوات الماضية.

