قال الإعلامي والكاتب الصحفي إبراهيم عيسى، إن بطولة كأس العالم الحالية كشفت عن مفارقة لافتة، بعدما سجل اللاعبون 13 هدفًا عكسيًا خلال دور المجموعات، كان من بينها 8 أهداف أحرزها لاعبون عرب في مرماهم، معتبرًا أن الأمر يتجاوز كونه رقمًا رياضيًا إلى دلالة أوسع تعكس -من وجهة نظره- نمطًا متكررًا في الواقع العربي.
وأوضح “عيسى” خلال فيديو له عبر قناته الرسمية على “يوتيوب”، أن ما حدث في البطولة دفعه للتأمل في الواقع السياسي والاجتماعي العربي، قائلاً: إن العرب كثيرًا ما “يسجلون في مرماهم” سواء في الرياضة أو السياسة، معتبرًا أن المسؤولين والسياسيين يرتكبون أخطاء تضر مجتمعاتهم رغم اعتقادهم أنهم يقدمون إنجازات.
وأضاف أن هذه الظاهرة لا تقتصر على المجال الرياضي، بل تمتد إلى السياسة والتعليم والدين، مؤكدًا أن كثيرًا من الهزائم تكون نتيجة أخطاء داخلية أكثر من كونها بفعل خصوم أو مؤامرات خارجية.
خبرة صحفية طويلة في قراءة الرياضة
استعاد إبراهيم عيسى تجربته الممتدة لأكثر من ربع قرن في رئاسة تحرير عدد من الصحف، مشيرًا إلى أن الرياضة كانت دائمًا أحد الأقسام التي يوليها اهتمامًا خاصًا، وأنه كان يحرص على مناقشة المحررين والنقاد الرياضيين في مختلف القضايا الكروية مع احترام اختلاف الآراء دون فرض وجهة نظره عليهم.
وأكد أن رئيس التحرير بحكم طبيعة عمله يجب أن يمتلك معرفة بمختلف الملفات، ومنها: الرياضة، لأن كرة القدم ليست مجرد لعبة بل ظاهرة جماهيرية تعكس الكثير من ملامح المجتمع.
لماذا كانت الصحف تتأثر بنتائج الأهلي والزمالك؟
روى “عيسى” جانبًا من خبرته في متابعة توزيع الصحف موضحًا أن فوز الأهلي على الزمالك كان يؤدي عادة إلى ارتفاع توزيع الصحف بينما كانت هزيمة الأهلي تتسبب في انخفاض التوزيع.
وأرجع ذلك إلى امتناع قطاع من جماهير الأهلي عن شراء الصحف عقب الهزيمة لرفضهم مواجهة النتيجة أو قراءة تفاصيلها معتبرًا أن هذه الظاهرة تعكس جانبًا من السلوك الجماهيري وطريقة التعامل مع الإخفاق.
وأشار عيسى إلى أن متابعة كرة القدم وتحليل ردود أفعال الجماهير تمثل وسيلة مهمة لفهم ثقافة الشعوب وسلوكها.
رفض لنظرية المؤامرة في كرة القدم
انتقد إبراهيم عيسى ما وصفه باللجوء السريع إلى نظرية المؤامرة بعد الهزائم مشيرًا إلى تصريحات وتحليلات ربطت بعض قرارات التحكيم أو تقنية الفيديو بمواقف سياسية مثل الحديث عن وجود انحياز ضد بعض المنتخبات العربية أو الإسلامية وتدخل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في حسم نتائج بعض المباريات.
وأكد أن مثل هذه التفسيرات تفتقر إلى المنطق وأنها تُستخدم أحيانًا لامتصاص غضب الجماهير أو الهروب من تحمل المسؤولية مشددًا على أن الاعتراف بالأخطاء هو الطريق الحقيقي للتطور.
إشادة بتطور الكرة الأفريقية
رأى “عيسى” أن الكرة الأفريقية أصبحت القوة الثالثة عالميًا بعد أوروبا وأمريكا الجنوبية مرجعًا ذلك إلى احتراف عدد كبير من اللاعبين الأفارقة في الأندية الأوروبية واكتسابهم عقلية الاحتراف الحديثة.
وأشار إلى تصريحات اللاعب المغربي أشرف حكيمي التي تحدث فيها عن انتقاله من اللعب في الأحياء الشعبية إلى الاحتراف الأوروبي معتبرًا أن هذه التجربة تعكس الفارق في إعداد اللاعبين.
محمد صلاح نموذج للاحتراف
أشاد إبراهيم عيسى بالنجم محمد صلاح معتبرًا أنه يمثل نموذجًا ناجحًا للاعب المحترف الذي تبنى أسلوب الحياة الأوروبي في الالتزام والانضباط والاهتمام بالتدريبات والصحة.
وقال إن “صلاح” حافظ على مستواه لأنه تعامل مع مسيرته بعقلية احترافية أوروبية وابتعد عن المظاهر التي قد تؤثر على تركيز اللاعبين مضيفًا أن اللاعب الذي يحقق نجاحًا كبيرًا يجب أن يزيد من التزامه لا أن يستسلم للشهرة.
وانتقد في المقابل بعض اللاعبين المصريين الذين يرى أنهم يتأثرون سريعً بالشهرة بعد تحقيق النجاح معتبرً أنه ذلك ينعكس سلبً على مسيرتهم الاحترافية وعلى رأسهم إمام عاشور موجهً له رسالة بضرورة الانضباط والتفكير في استمرار مسيرته الاحترافية.
انتقاد لتبرير الإخفاقات
توقف “عيسى” عند بعض ردود الفعل الإعلامية بعد خروج منتخبات عربية وأفريقية من البطولة معربً عن استغرابه من محاولات تبرير النتائج بربطها بالأوضاع السياسية أو بتضخيم فكرة المؤامرة.
وأشار إلى أن منتخب إيران واجه بالفعل ظروفً صعبة خلال البطولة لكنه رفض استخدام ذلك لتفسير كل ما حدث داخل الملعب مؤكدً أنه كرة القدم يجب أن تُقرأ بمنطق فني لا سياسي.
النقد ضرورة وليس عداء
شدد إبراهيم عيسى على أن النقد الرياضي لا يعني الهجوم على المنتخبات أو التقليل من الانتماء الوطني بل يعتبر جزءً أساسيً من تطوير الأداء.
وأضاف أن الجماهير في مختلف دول العالم تنتقد منتخباتها ومدربيها دون أن يُنظر إلى ذلك باعتباره خيانة أو عداء بينما يرفض البعض في العالم العربي أي نقد باعتباره مؤامرة أو محاولة لإحباط الفريق.
واختتم الكاتب الصحفي إبراهيم عيسى حديثه بالتأكيد على أن كرة القدم أصبحت مرآة تعكس ثقافة الشعوب وطريقة تفكيرها معتبرً أنه الهروب المستمر إلى نظرية المؤامرة يمنع مراجعة الأخطاء والاستفادة منها بينما يمثل الاعتراف بالقصور والنقد الموضوعي الطريق الحقيقي لتحقيق التطور والنجاح.

