يبدو السؤال بسيطًا في ظاهره، لكنه يحمل في طياته ملفًا من أثقل الملفات السياسية والتشريعية المؤجلة؛ “أين قانون الإدارة المحلية؟”.

ليس هذا مجرد استفسار عن مشروع قانون يراوح مكانه بين اللجان البرلمانية، بل هو تساؤل عن غياب “المجالس الشعبية المحلية” التي تمثل خط الدفاع الأول عن مصالح المواطن اليومية، والركيزة الأساسية لتطبيق مفهوم اللامركزية.

عقب إقرار دستور 2014، استبشر الشارع خيرًا بوجود نصوص دستورية صريحة (المواد من 175 إلى 183) تُلزم الدولة بنقل السلطات وتطبيق اللامركزية الإدارية والمالية والاقتصادية، وتخصيص نسبة عادلة للمرأة والشباب والعمال والفلاحين في المجالس المحلية. ورغم مرور سنوات على هذه التعهدات الدستورية، لا يزال المشهد المحلي مُدارًا بآليات تنفيذية بحتة دون رقابة شعبية منتخبة. والسؤال الأهم: لماذا يُعد هذا القانون ضرورة لا رفاهية؟

فغياب المجالس المحلية لم يؤثر فقط على المشاركة السياسية، بل انعكس مباشرة على جودة حياة المواطن اليومية لعدة أسباب، أهمها غياب الرقابة المباشرة كعين للمواطن على أداء الإدارات الخدمية مثل الرصف والسيولة المرورية والنظافة والتراخيص. وغياب هذه المجالس يعني فقدان أداة المحاسبة السريعة وتحميل النواب فوق طاقتهم.

في ظل غياب المجالس المحلية، وجد أعضاء مجلس النواب أنفسهم غارقين في أدوار خدمية صغيرة يطالبهم بها الشارع، مما اقتطع من دورهم الأصيل في التشريع والرقابة على الحكومة المركزية.

كما أن تمكين الشباب والمرأة يمثل جانبًا مهمًا، حيث كفل الدستور مشاركة الشباب والمرأة بنسبة 50% في هذه المجالس. وهذا يعد أفضل مدرسة لإعداد قيادات سياسية وإدارية واعية للمستقبل، مما يسفر عن نواب ذوي ثقل سياسي وخدمي. ناهيك عن تفعيل اللامركزية التي ليست مجرد توزيع للخدمات، بل هي توزيع للسلطة والمسؤولية، وتجعل المواطن شريكًا أصيلًا في إدارة شؤون مدينته وقريته.

لذا فإن خروج قانون الإدارة المحلية إلى النور وإجراء انتخابات المجالس المحلية لم يعد خيارًا يحتمل المزيد من التأجيل. خصوصًا بعد توجيهات الرئيس السيسي بانتخابات المحليات؛ فهو الحجر المكمل لبناء المؤسسات الدستورية والسبيل الوحيد لتخفيف العبء عن كاهل الدولة المركزية وتفعيل الرقابة الشعبية الحقيقية من القاعدة إلى القمة.

ويبقى السؤال مطروحًا على أجندة صناع القرار: متى نرى هذا التشريع الحيوي واقعًا ملموسًا يشارك من خلاله المواطن في إدارة يومياته؟