أكدت وزارة الأوقاف المصرية أن الاحتفال بالمولد النبوي الشريف يعكس محبة الأمة لرسولها الكريم – صلى الله عليه وسلم – ويستحضر هديه وسنته في كل زمان ومكان، مشيرة إلى أن هذه المناسبة تحولت عبر التاريخ من مبادرة فردية إلى احتفال جامع يُحيي القلوب ويوحد الصفوف.
مشروعية الاحتفال بالمولد النبوي الشريف
وأوضحت الوزارة أن الاحتفاء بذكرى مولد سيد الكونين وإمام المرسلين – صلى الله عليه وسلم – يُعد مظهرًا من مظاهر الحب في القلوب، وهو أصل من أصول الإيمان، مستندةً إلى قوله صلى الله عليه وسلم: «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَالِدِهِ وَوَلَدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ» [رواه البخاري].
كما أكدت الأوقاف أن الاحتفال بالمولد النبوي هو احتفاء بقدوم رحمة الله المهداة للعالمين، سيدنا محمد – صلى الله عليه وسلم – الذي قال له ربه: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} [الأنبياء: ١٠٧]. وقد سنّ لنا سيد الخلق وحبيب الحق – صلى الله عليه وسلم – الشكر على يوم مجيئه الكريم، فكان يصوم يوم الاثنين ويقول عن ذلك: «ذَاكَ يَوْمٌ وُلِدْتُ فِيهِ» [رواه مسلم].
وكان احتفال السلف الصالح بذكرى المولد النبوي امتثالًا لهذه المعاني بعبادات تليق بمقامه الكريم – صلى الله عليه وسلم – مثل الذكر والصدقة وإنشاد القصائد التي تمتدح خير البرية.
أول من احتفل بالمولد النبوي الشريف في صورته الموسعة
وأشارت الوزارة إلى أنه لم يكن للفاطميين نصيب من الهيبة في الاحتفال بالمولد النبوي، حيث اقتصرت احتفالاتهم على إخراج الصدقات وتناول الحلوى، بينما كان الاحتفال الكبير يبدأ مع الشيخ الكبير عمر الملا المتوفى 570 هـ في الموصل، الذي كان ينظم دعوة سنوية للاحتفال بمولد رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يحضرها صاحب الموصل والشعراء الذين ينشدون مدحه في ذلك المحفل. وكان الملك المظفر بن زين الدين علي بن بكتكين هو الأكبر والأعظم بين المحتفلين، حيث كان ينفق ثلاثمئة ألف دينار على المولد كل سنة.
وقد كان للملك المظفر دور كبير في تعظيم المولد الشريف، وهو صهر المجاهد صلاح الدين الأيوبي الذي زاد البهجة في الاحتفالات المصرية. وقد استمرت هذه الاحتفالات منذ الدولة الفاطمية وتطورت مع حكم صلاح الدين.
الاحتفال بالمولد النبوي الشريف في مصر
ذكر السندوبي في كتابه (تاريخ الاحتفال بالمولد النبوي الشريف) كيف أن السلطان صلاح الدين الأيوبي ألغى الاحتفالات بالمناسبات الشيعية وأطلق الإنفاق وزيادة البهجة في الاحتفال بالمولد النبوي الشريف. وقد تابع جميع حكام مصر عبر العصور هذا التقليد، وكان لكل ملك أسلوبه الخاص في إحياء الذكرى.
على سبيل المثال، السلطان الظاهر برقوق (785 هـ) اهتم بإقامة معالم الحفاوة ومظاهر الزينة للاحتفال بهذا اليوم العظيم. وكذلك كان السلطان الأشرف معروفًا بسرادقه الفخمة التي تُصنع خصيصًا للاحتفال بمناسبة مولد النبي – عليه الصلاة والسلام – مما يعكس حبه وتفانيه.
وفي عهد الملك فاروق الأول، استمر الاهتمام بالاحتفالات حيث شهدت مراسم ضخمة تعكس الفخامة والجمال. كما كانت هناك احتفالات خاصة في البيوت خلال موسم المولد حيث تُعد أشهى المأكولات وتوزع الحلوى.
الاحتفال بالمولد النبوي الشريف في العالم
ولم تكن مصر وحدها تحتفل بهذه المناسبة؛ بل انتشرت احتفالات المولد النبوي الشريف في مختلف بلدان العالم الإسلامي بدءًا من مكة والمدينة إلى تونس والمغرب وغيرها. وقد كان الإمام ابن الجوزي يشير إلى أن أهل الحرمين ومصر واليمن والشام كانوا يحتفلون بمجلس مولد النبي ويستقبلون هلال شهر ربيع الأول بحفاوة كبيرة.
كما أكد الإمام شمس الدين السخاوي أن أهل مكة كانوا يتجهون إلى المكان المعروف بأنه محل مولده لإحياء ذكرى هذا اليوم العظيم. ومع تطور الزمن، أصبحت العديد من الدول الإسلامية وغير الإسلامية تحتفل بهذه المناسبة بطرق متنوعة.
تاريخ الاحتفال بالمولد النبوي الشريف
وفي الختام، أكدت وزارة الأوقاف أن الاحتفال بالمولد النبوي الشريف يمثل تجسيدًا لمحبة النبي – صلى الله عليه وسلم – وهو اقتداء بسُنته الكريمة. وقد بدأ هذا التقليد بشكل منظم خلال القرن السادس الهجري على يد العلماء والمحبين وامتد ليشمل جميع أنحاء العالم الإسلامي.
تشير الحسابات الفلكية إلى أن موعد المولد النبوي الشريف لعام 1448 هجريًا سيوافق يوم الأربعاء 26 أغسطس 2026 ميلاديًا (12 ربيع الأول).

