تشهد أوروبا تصاعدًا ملحوظًا في حرائق الغابات نتيجة تكرار موجات الحر والجفاف، مما يضع الحكومات وأجهزة الطوارئ أمام تحديات متزايدة لاحتواء النيران وحماية السكان. تعاني إسبانيا وفرنسا من واحدة من أصعب موجات حرائق الغابات خلال السنوات الأخيرة، حيث تستمر النيران في التهام آلاف الهكتارات من الغابات وتقترب من المناطق السكنية والسياحية، وسط ظروف مناخية تُعتبر الأسوأ منذ سنوات.

بينما تخوض فرق الإطفاء معركة متواصلة لاحتواء الحرائق، اضطرت الحكومتان الإسبانية والفرنسية إلى تنفيذ عمليات إجلاء واسعة وإعلان إجراءات استثنائية. تتزايد التحذيرات بشأن تأثير التغير المناخي وارتفاع ظاهرة الاحتباس الحراري على تفاقم الكوارث الطبيعية في القارة الأوروبية.

تشير المعطيات إلى أن ارتفاع درجات الحرارة، وتراجع معدلات الرطوبة، وهبوب الرياح القوية قد شكلت بيئة مثالية لانتشار النيران بسرعة. هذا الأمر دفع السلطات إلى تسخير جميع إمكاناتها في ظل تحذيرات متزايدة من احتمال اتساع نطاق الحرائق، بحسب جريدة “ذا جارديان” البريطانية.

لماذا يركز رجال الإطفاء على منع التحام الحرائق؟

أكد وزير الداخلية الإسباني، فرناندو جراندي-مارلاسكا، أن الأولوية القصوى لفرق الإطفاء تتمثل في منع “التحام” الحرائق المشتعلة في القرى المحيطة بالعاصمة مدريد. يشير ذلك إلى ضرورة منع اندماج عدة بؤر نارية في حريق واحد واسع النطاق، وهو سيناريو يجعل عمليات السيطرة أكثر تعقيدًا ويضاعف سرعة انتشار النيران.

وأوضح جراندي-مارلاسكا خلال زيارته لمركز قيادة الطوارئ في بلدة سينيسينتوس الواقعة في أقصى الجنوب الغربي من منطقة مدريد أن رجال الإطفاء يواجهون ظروفًا مناخية بالغة الصعوبة تتمثل في رياح تتجاوز سرعتها 50 كيلومترًا في الساعة، بالإضافة إلى انخفاض الرطوبة وارتفاع درجات الحرارة. هذه العوامل تسهم في انتقال الحرائق من منطقة إلى أخرى خلال فترات زمنية قصيرة.

وبحسب وكالة “فرانس برس”، لا تزال عدة بلديات إسبانية خاضعة لإجراءات العزل؛ فيما أعلنت حكومة منطقة مدريد عن إجلاء أكثر من 430 شخصًا من كبار السن وذوي الإعاقة من خمس دور للرعاية لحماية الفئات الأكثر عرضة للخطر.

ما أسباب إخلاء منطقة فرنسية بالكامل برا وبحرا؟

في الوقت الذي تكافح فيه إسبانيا للسيطرة على الحرائق، تواجه فرنسا أزمة مشابهة بعد اقتراب ألسنة اللهب من شبه جزيرة “كاب فيريه” الواقعة على ساحل المحيط الأطلسي، والتي تُعدّ واحدة من أبرز الوجهات السياحية في البلاد.

أمرت السلطات الفرنسية بإخلاء المنطقة بالكامل عبر البر والبحر بعدما وصفت الحريق بأنه “شديد وعالي الخطورة ويصعب التنبؤ بمساره”، وفق جريدة “ذا جارديان”.

وأكد وزير الداخلية الفرنسي لوران نونيز أن النيران التهمت أكثر من 10 آلاف هكتار حتى صباح الجمعة، بينما شملت عمليات الإجلاء نحو 40 ألف شخص، بينهم آلاف السياح الذين كانوا يقضون عطلاتهم في مواقع التخييم والمنازل السياحية.

ولضمان سرعة الإخلاء، بدأت القوارب بنقل السكان والمصطافين من أربعة مراسي بحرية بالتوازي مع عمليات إجلاء برية تدريجية نظرًا لاعتماد شبه الجزيرة على طريق بري واحد فقط يربطها بالبر الرئيسي، بحسب “ذا جارديان”.

ماذا يعني إعلان إسبانيا حالة الطوارئ الوطنية؟

أمام اتساع رقعة الحرائق وخروج عدد منها عن السيطرة، أعلنت الحكومة الإسبانية حالة الطوارئ الوطنية. تعد هذه خطوة استثنائية تتيح للحكومة المركزية تولي إدارة الأزمة وتنسيق جهود الاستجابة بدلاً من السلطات الإقليمية.

هذا القرار نادر الحدوث ضمن النظام الإداري الإسباني حيث لم يتخذ سوى مرة واحدة خلال أزمة انقطاع التيار الكهربائي التي شهدتها البلاد في أبريل 2025. تكتسب هذه الخطوة أهمية خاصة نظرًا للطبيعة اللامركزية للدولة الإسبانية التي تتمتع فيها الأقاليم بصلاحيات واسعة لإدارة شؤونها.

هل أصبحت التغيرات المناخية المحرك الرئيسي لحرائق أوروبا؟

ترى الحكومات الأوروبية وخبراء المناخ أن موجات الحر المتكررة والجفاف الطويل وارتفاع درجات الحرارة أصبحت عوامل رئيسية تساهم في زيادة شدة حرائق الغابات واتساع نطاقها. تؤدي هذه الظروف إلى جفاف الغطاء النباتي وتحويله إلى وقود سريع الاشتعال بينما تساهم الرياح القوية في نقل النيران لمسافات أكبر.

محاولات مضنية للسيطرة على حرائق الغابات في فرنسا

في ظل هذه الظروف الصعبة، طلبت وزارة الداخلية الإسبانية دعمًا إضافيًا من الاتحاد الأوروبي عبر آلية الحماية المدنية لتوفير طائرات متخصصة لمكافحة الحرائق. يشير هذا الطلب إلى أن الأزمة تجاوزت الإمكانات الوطنية وأصبحت تتطلب تنسيقًا أوروبيًا واسعًا.

تعكس الحرائق الحالية حجم التحديات التي تواجهها أوروبا وسط تصاعد الظواهر الجوية المتطرفة. يحذر الخبراء بأن مواسم الحرائق قد تصبح أطول وأكثر شدة خلال السنوات المقبلة ما لم تُعزز إجراءات الوقاية والاستجابة السريعة والتكيف مع تداعيات التغير المناخي.

كيف يزيد التغير المناخي احتمالات اندلاع حرائق الغابات؟

تكشف دراسة نشرتها “يتشر كوميونيكيشنز” أن العالم شهد خلال العقد الماضي سنوات اتسمت بحرائق غابات غير مسبوقة خلفت خسائر بيئية واقتصادية وبشرية واسعة. تشدد الدراسة على أن “التباين في الظروف المناخية سواء الذي يسبق اندلاع الحرائق أو الذي يتزامن معها يلعب دوراً محورياً في تهيئة البيئة المناسبة لاندلاع مواسم حرائق شديدة بالغابات حول العالم”.

وفقاً للدراسة فإن السنوات التي شهدت حرائق استثنائية ارتبطت بارتفاع كبير في مؤشرات الطقس المواتي لاندلاع الحرائق وهي ظروف تتكرر بمعدل مرة واحدة كل 15 عاماً. كما ترافق هذه المواسم مع زيادة كبيرة في عدد الحرائق واسعة النطاق وارتفاع انبعاثات الكربون الناجمة عنها إلى ما يقارب أربعة إلى خمسة أضعاف مقارنة بالسنوات الاعتيادية.

تشير التقديرات الحالية إلى أن التغيرات المناخية قد رفعت احتمالية تكرار هذه المواسم المتطرفة بنسبة تتراوح بين 88% و152% خلال الفترة بين 2011 و2040 مقارنة بمناخ ما قبل الثورة الصناعية (1851-1900)، مع تسجيل أعلى مستويات الخطر في الغابات المعتدلة وغابات الأمازون.

وتخلص الدراسة إلى أن التغير المناخي الناتج عن الأنشطة البشرية بات عاملاً رئيسياً يزيد احتمالات اندلاع مواسم حرائق غابات شديدة على مستوى العالم مما يفرض على الحكومات والجهات المعنية تبني استراتيجيات استباقية لتعزيز إجراءات الوقاية والحد من المخاطر والتكيف مع تزايد وتيرة الظواهر المناخية المتطرفة.