عزيزي القارئ، لا يزال الحديث مستمرًا حول معرفة الله عز وجل، فقد أشرنا سابقًا إلى أنها الغاية التي خلق الله تعالى الإنسان من أجلها. يقول جل جلاله في الحديث القدسي: (كنت كنزًا مخفيًا فأحببت أن أعرف فخلقت الخلق فبي عرفوني). وفي معنى قوله تبارك وتعالى: (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون)، يذكر سيدنا عبد الله بن العباس رضي الله عنهما: “أي إلا ليعرفون”.
فالعبادة تُعتبر الباب والسبيل الموصل إلى معرفة الله عز وجل، ومعرفة الله تعالى هي نور يُلقيه الله تعالى في القلوب، مما يورث صاحبها المحبة والطاعة والخشية والأدب والحياء والطمأنينة والرضا والتسليم والولاء الكامل لله تعالى.
لدى أهل المعرفة أقوال تخاطب القلوب قبل العقول، وتحرك الأشواق في القلوب إلى علام الغيوب سبحانه وتعالى. ومن هذه الأقوال قول الإمام علي بن أبي طالب كرم الله وجهه: “معرفة الله سبحانه أعلى وأجل المعارف”، وقول الإمام الجنيد في تعريف العارف: “العارف من نطق عن سر الله وسكت عن علم الله ودل الخلق على الله”.
كما وصف الإمام ابن الجوزي حال العارف بقوله: “ليس في الدنيا ولا في الآخرة من هو أطيب عيشًا وأسعد من العارفين بالله عز وجل. فإن العارف مستأنس بالله في خلوته وفي دنياه وآخرته”.
وفي تعجب من حال أهل الدنيا الذين اعتلت قلوبهم بحبها، يقول العارف بالله مالك بن دينار: “مساكين أهل الدنيا خرجوا منها وما ذاقوا أطيب ما فيها”. وعندما سُئل عن ما هو أطيب ما فيها قال: “معرفة الله عز وجل”. كما يتعجب أيضًا من حال من لم يسعَ إلى معرفة الله قائلًا: “أي شيء عرف من لم يعرف الله، وأي حقيقة أدرك من فاتته هذه الحقيقة؟ كلما ازداد العبد معرفة بربه تعالى وأسمائه الحسنى وصفاته العليا، ازداد إيمانًا ومحبة وخشية وطاعة وولاءً لربه تعالى ومولاه”.
ويقول العارف بالله هرم بن حيان: “المؤمن إذا عرف ربه أحبه. وإذا أحبه أقبل عليه. وإذا وجد حلاوة الإقبال عليه سبحانه لم ينظر إلى الدنيا بعين الرغبة والشهوة”. ويشير العارف بالله أبو اليزيد البسطامي إلى ذلك بقوله: “إلهي ليس بعجيب أن أحبك وأنا العبد العاجز الضعيف المحتاج. بل العجيب أن تحبني أنت وأنت الرب والمليك الغني”.
ويقول العارف بالله سهل التستري: “يكفيني من الحب أني لمن تحب سبحانك محب”، بينما يضيف سيدي عبد القادر الجيلاني: “إن قتلك سبحانه بسيف حبه في العاجل جعل ديتك في الآجل.. وحرام أن تتصل بالمحبوب ويبقى لك في العالمين محبوب”.

