انشغل الرأي العام في الأيام الأخيرة بالسجال الدائر حول أموال المعاشات، بعد تصريحات وزير المالية الأسبق يوسف بطرس غالي، التي أعقبها رد الوزيرة السابقة ميرفت التلاوي. وحين يتعلق الأمر بأموال ملايين المصريين الذين اقتطعوا جزءًا من دخولهم طوال حياتهم أملًا في شيخوخة كريمة، تصبح الشهادة أمانة.

تغدو الحقيقة حقًا عامًا لا يملك أحد حجبه أو تجميله، وفقًا لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ﴾، وقوله سبحانه: ﴿وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ﴾.

السجال الذي اشتعل بين غالي والتلاوي ليس مجرد خلاف بين مسؤولين سابقين، بل هو جرس إنذار يدعونا إلى إعادة فتح أحد أكثر الملفات حساسية في الدولة المصرية: ملف أموال التأمينات والمعاشات.

يوسف بطرس غالي يؤكد أن أموال التأمينات لم تُهدر، وأن استثمارها حقق عوائد مرتفعة، وينفي أنه سعى إلى استثمارها خارج البلاد. وفي المقابل، تؤكد ميرفت التلاوي أنها رفضت ما اعتبرته مساسًا بهذه الأموال، وتطعن في الرواية الخاصة بالعوائد، معتبرة أن حقوق أصحاب المعاشات لم تنل ما تستحقه وهو ما يميل إليه ويصدقه كثيرون.

بين الروايتين تضيع الحقيقة، بينما لا يجوز أن تضيع معها حقوق الملايين. ومن هنا، فإن لدى الدكتور يوسف بطرس غالي -بوصفه صاحب رواية تفصيلية عن إدارة تلك الأموال- مجموعة من الأسئلة التي ينتظر الرأي العام إجابات موثقة عنها.

إذا كانت استثمارات أموال التأمينات قد حققت بالفعل متوسط عائد سنوي يقترب من 23%، فأين التقارير المالية المنشورة التي تثبت ذلك؟ وأين القوائم السنوية التي توضح حجم الأموال وأوجه استثمارها والعائد المحقق عامًا بعد عام؟

وإذا كانت تلك الأموال لم تُستخدم في سد عجز الموازنة، فلماذا ظلت الدولة مدينة لسنوات طويلة لصناديق التأمينات؟ وكيف تراكمت هذه الالتزامات حتى احتاجت الدولة لاحقًا إلى وضع خطة قانونية لسدادها؟ وإذا كانت الإدارة تمت وفق أفضل المعايير، فلماذا بقي أصحاب المعاشات لعقود يشكون تدني دخولهم بينما كانت أموالهم تحقق عوائد استثمارية استثنائية؟ وهل كان أصحاب الأموال يحصلون على معلومات دورية عن كيفية إدارة مدخراتهم؟ أم أن الأمر ظل شأنًا مغلقًا بين الوزارات والهيئات؟

هذه الأسئلة ليست اتهامًا لأحد، وإنما تطبيق لقول الله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ وللقاعدة القرآنية المحكمة: ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾.

الحقيقة أن المشكلة ليست في شخص يوسف بطرس غالي ولا في ميرفت التلاوي وإنما في غياب منظومة مؤسسية تجعل الحقيقة منشورة قبل أن تصبح محل خلاف. ففي الدول التي تحترم مدخرات مواطنيها تُدار صناديق المعاشات باستقلال كامل وتُنشر تقاريرها بصورة دورية ويعرف كل مواطن أين استثمرت أمواله وما حجم العائد الذي حققته.

ولعل النموذج النرويجي الذي أشار إليه الدكتور رضا عبدالسلام يقدم درسًا بليغًا؛ فالقوة ليست في ضخامة الأموال وإنما في الحوكمة والشفافية والاستثمار الاحترافي بحيث لا تصبح أموال الأجيال رهينة لاجتهاد وزير أو لتغير حكومة أو لتقلب الظروف الاقتصادية.

إننا اليوم لسنا بحاجة إلى تبادل الاتهامات بل إلى فتح دفاتر الحقيقة كاملة أمام الشعب. نحتاج إلى كشف حساب تاريخي يوضح بالأرقام كيف جُمعت أموال التأمينات وكيف استُثمرت وما الذي حققته وما الذي فقدته ومن المسؤول عن كل قرار اتُخذ بشأنها.

قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ ولا أمانة أعظم من أموال ادخرها أصحابها من قوت يومهم انتظارًا ليوم يضعف فيه الجسد ولا يضعف الحق.

ولذلك فإن القضية ليست: من انتصر في السجال؟ بل: هل نملك الشجاعة لنحول أموال المعاشات إلى صندوق مستقل يخضع لأعلى معايير الإفصاح والرقابة وينشر حسابه الختامي كل عام أمام الأمة؟ يومها فقط لن نحتاج إلى رواية يوسف بطرس غالي ولا إلى رواية ميرفت التلاوي لأن الحقيقة ستكون منشورة والوثيقة ستكون أقوى من الذاكرة والمؤسسة أقوى من الأشخاص. ويبقى أن نقول لأصحاب المعاشات.. لكم الله.. أمس واليوم وغدًا!