لم تكن الساعات الثلاث التي يقضيها طلاب الثانوية العامة داخل اللجان هي الأصعب فقط، بل كانت أكثر قسوة على أمهات افترشن الأرصفة أمام المدارس، رافضات العودة إلى منازلهن حتى يخرج أبناؤهن من امتحاني الكيمياء للشعبة العلمية والجغرافيا للشعبة الأدبية.

في محيط اللجان، بدت الدقائق وكأنها تمتد إلى ساعات، والساعات إلى دهر كامل، حرارة الشمس لم تدفعهن إلى المغادرة، فقلقهن كان أكبر من لهيب الطقس، ورغبتهن في أن يكن أول الوجوه التي يستقبلها الأبناء بعد انتهاء الامتحان كانت أقوى من أي مشقة.

بعض السيدات انشغلن بتلاوة القرآن الكريم، تتردد آياته في هدوء وسط ضجيج الشارع، بينما تحلقت أخريات في مجموعات صغيرة يتبادلن الحديث عن مستقبل أبنائهن، وأحلام الالتحاق بالكليات التي تمنحهم فرصة لحياة أفضل، وعن أمل كبير في مجموع مرتفع يكون طوق النجاة من أعباء ومصروفات الجامعات الخاصة التي أصبحت فوق طاقة كثير من الأسر.

كانت أم آلاء واحدة من أكثر الأمهات تأثرًا. وما إن بدأ الحديث معها حتى انهمرت دموعها وهي ترفع يديها إلى السماء بالدعاء لابنتها. قالت بصوت امتزج بالبكاء: “يارب اجبر خاطرها، وعوضها خير، وحقق لها حلمها”. وأضافت أن ابنتها فقدت والدها وهي طفلة، وأنها تحمل وحدها مسؤولية تربيتها حتى وصلت إلى الثانوية العامة، معربة عن أملها في أن يكون التفوق هو العوض الحقيقي لسنوات التعب. ولم تنس وهي تغالب دموعها أن تدعو بالتوفيق لجميع طلاب الثانوية العامة، متمنية أن يكلل الله جهودهم بالنجاح.

وفي مكان قريب، كانت أم حبيبة تحمل حفيدها الصغير بين ذراعيها بينما تتابع بعينيها بوابة اللجنة في انتظار خروج ابنتها. وبين الحين والآخر كانت تردد الدعاء قبل أن توجه رسالة إلى القائمين على أعمال الامتحانات مطالبة المراقبين باحتواء الطالبات وتهدئة روعهن داخل اللجان، خاصة مع ما تفرضه مادة الكيمياء من ضغوط نفسية، مؤكدة في الوقت نفسه ضرورة الالتزام بالقواعد ومنع أي محاولات للغش أو التسيب حتى يحصل كل طالب على حقه كاملًا في أجواء يسودها الهدوء والانضباط.

على الرصيف، لا يحتاج المشهد إلى كثير من التفاصيل؛ مصحف صغير وكرسي قابل للطي وزجاجة مياه باردة ومروحة يدوية أحيانًا… تلك هي كل المتاع الذي تصطحبه الأمهات في رحلة انتظار تمتد لثلاث ساعات لكنها تبدو في أعينهن أطول بكثير.

الدعاء لا ينقطع والعيون لا تفارق أبواب اللجان والوجوه تجمع بين الخوف والرجاء. بعضهن يفضلن الصمت وأخريات يخففن التوتر بالدعاء الجماعي فيما تلمع الدموع في أعين أمهات يخشين أن تضيع أحلام سنوات طويلة في سؤال صعب أو لحظة ارتباك داخل اللجنة.

فرادى وجماعات رسم أولياء الأمور أمام لجان الثانوية العامة بالإسماعيلية مشهدًا إنسانيًا بالغ التأثير يؤكد أن الامتحان لا يخص الطالب وحده بل تعيشه الأسرة بأكملها وأن وراء كل طالب يدخل اللجنة أمًا تحمل في قلبها من القلق ما يفوق صعوبة أي امتحان ولا تملك سوى الدعاء وانتظار لحظة خروج ابنها بابتسامة تطمئن قلبها.