الخميس 02/يوليو/2026 – 11:54 ص 7/2/2026 11:54:57 AM .

فى كل عصر يظهر من يظن أن طريق الشهرة يبدأ بالإساءة إلى الكبار، وأن اسمه سيُعرف إذا اقترن باسم أحد العمالقة. ومنذ أيام، طالعت مصادفة شخصًا يتطاول على كوكب الشرق، سيدة الغناء فى العالم، وليس فى العالم العربى فقط، أم كلثوم.
لن أتوقف كثيرًا أمام هذا الشخص، فهو ربما لا يعرفه حتى كثير من المحيطين به. وما أكثر من ابتُلينا بهم فى زمن أصبحت فيه وسائل التواصل الاجتماعى تمنح الميكروفون لمن لا يملك علمًا ولا موهبة ولا قيمة.
لكن الحقيقة التى لا تتغير أن أم كلثوم أكبر من أن ينال منها أحد، وأكبر من أن تهتز صورتها بكلمات عابرة يكتبها شخص يبحث عن لفت الأنظار.
أم كلثوم لم تصنعها الدعاية، ولم تصنعها الصدفة، وإنما صنعتها التربية والعلم والانضباط والموهبة الفذة. نشأت فى بيت دينى، فوالدها كان أحد مشايخ قريته ومنشدًا دينيًا، فحفظت القرآن الكريم فى سن مبكرة وتعلمت مخارج الحروف وسلامة النطق، فكان القرآن الكريم هو المدرسة الأولى التى صقلت لغتها ومنحت صوتها تلك الفصاحة والتمكن اللذين جعلا كل كلمة تخرج من فمها وكأنها لؤلؤة مصاغة بعناية.
ولذلك لم تكن أم كلثوم مجرد مطربة بل كانت مدرسة فنية متكاملة. لم يكن نجاحها قائمًا على جمال الصوت وحده وإنما على الثقافة الموسيقية واحترام الكلمة وفهم المعنى والقدرة المذهلة على تحويل القصيدة إلى حالة وجدانية يعيشها المستمع.
ولهذا أصبحت أغانيها حتى اليوم هى الاختبار الحقيقى لأى مطرب. فمن يستطيع أن يؤدى عملًا من أعمال أم كلثوم بإتقان فقد أثبت أنه يمتلك صوتًا حقيقيًا لأن الغناء لها ليس استعراضًا للصوت بل امتحان فى المقامات والتنفس والإحساس والنطق والسيطرة الكاملة على الأداء.
وليس من قبيل المصادفة أن كبار المطربين فى العالم العربى كانوا يفتخرون بالغناء من تراثها وأن معاهد الموسيقى لا تزال تدرس أعمالها وأن تسجيلاتها ما زالت تُسمع بعد عشرات السنين بنفس الشغف الذى استقبلها به الجمهور عند ميلادها.
العظماء لا يحتاجون إلى من يدافع عنهم لأن تاريخهم هو المدافع الأقوى عنهم. وأم كلثوم ليست ملكًا لجيل بعينه بل هى جزء من القوة الناعمة المصرية ورمز حضارى وثقافى تجاوز الحدود واللغات والأزمان.
على الصعيد العربى لم تكن أم كلثوم مجرد مطربة تستقبلها الجماهير بالتصفيق بل كانت تُستقبل استقبال رؤساء الدول والملوك. كانت زياراتها إلى العواصم العربية تتحول إلى أحداث وطنية وثقافية كبرى ويحرص الملوك والرؤساء والأمراء على استقبالها وتكريمها تقديرًا لمكانتها الاستثنائية ودورها فى توحيد الوجدان العربى. ولم يكن ذلك تكريمًا لصوت جميل فحسب بل اعترافًا بقيمة فنية وإنسانية تجاوزت حدود الغناء حتى أصبحت أم كلثوم رمزًا للعزة الثقافية العربية وسفيرة لمصر وفنها فى كل المحافل. ومن النادر أن يحظى فنان فى التاريخ العربى بما حظيت به من تقدير رسمى وشعبى فى آن واحد وهو ما يؤكد أن مكانتها لم تكن صناعة إعلام وإنما كانت صناعة تاريخ
أم كلثوم… صوت تجاوز الحدود وصنع مجدًا عالميًا
ومن يختزل أم كلثوم فى لقب “مطربة عربية” لا يدرك حجم ما حققته هذه السيدة فى تاريخ الفن الإنسانى. فقد تجاوز صوتها حدود الجغرافيا واللغة وأصبحت واحدة من أهم الظواهر الموسيقية فى القرن العشرين. غنت على أكبر المسارح واستمع إليها الملايين من مختلف الجنسيات ودرست تجربتها فى جامعات ومعاهد موسيقية وألهم أداؤها كبار الموسيقيين والباحثين فى الشرق والغرب.
ولم تكن العالمية التى حققتها أم كلثوم نتيجة حملات دعائية أو صناعة إعلامية بل كانت ثمرة موهبة استثنائية وثقافة راسخة وانضباط نادر واحترام بالغ للفن والجمهور. استطاعت أن تقدم نموذجًا للفنان الذى يحمل هوية وطنه إلى العالم فصارت أحد أبرز رموز القوة الناعمة المصرية وسفيرة للفن العربى فى المحافل الدولية.
وأرى أن أسرة أم كلثوم على حق إذا لجأت إلى القضاء فحرية الرأى لا تعنى حرية الإساءة والنقد لا يعنى التجريح أو التطاول على الرموز الوطنية والفنية التى أصبحت جزءًا من تاريخ مصر ووجدان شعبها.
كما أننى أتحفظ على قيام بعض المواقع الإلكترونية بإعادة نشر ما قاله هذا الشخص حتى لو كان ذلك تحت عنوان الدفاع عن أم كلثوم. فمجرد إعادة نشر الإساءات يمنحها انتشارًا أوسع ويحقق لصاحبها ما كان يسعى إليه من شهرة ولفت للانتباه. كان الأولى أن يكون الدفاع عن أم كلثوم بإبراز تاريخها وقيمتها الفنية والإنسانية ومكانتها العالمية دون إعادة إنتاج الإساءة أو الترويج لها بصورة مباشرة أو غير مباشرة.
فالرموز الكبيرة لا تُدافع عنها بتكرار ما قيل في حقها وإنما يُدافع عنها بتذكير الناس بما قدمته للوطن وللفن وللإنسانية. أما المسيئون فإن أفضل عقاب لهم هو أن يحاسبهم القانون وأن يرفض المجتمع منحهم المنصة التى يبحثون عنها.
أم كلثوم ليست مجرد اسم في سجل الغناء بل قيمة حضارية وإنسانية خالدة ورمز فنى يقف في مصاف كبار المبدعين الذين غيروا تاريخ الموسيقى وكلما تعاقبت الأجيال ازداد حضورها رسوخا وأكد الزمن أن الفن الحقيقى لا يشيخ وأن العظماء لا تصنعهم الضجة وإنما يصنعهم التاريخ.
أما الذين يهاجمون القمم فسريعاً ما يبتلعهم النسيان بينما تبقى القمم شامخة يزداد بريقها كلما مرت عليها السنوات.
ستظل أم كلثوم كوكب الشرق وسيدة الغناء والصوت الذى كلما مر الزمن ازداد خلوداً بينما سيبقى كل من حاول النيل منها مجرد سطر عابر في دفتر النسيان.