الجبل الشرقي في محافظة المنيا ليس مجرد كتلة صخرية تطل على المدينة، بل يحتفظ بين جنباته بعشرات الحكايات التي تناقلها الأهالي عبر الأجيال. حيث تمتزج المقابر بالأضرحة، وتختلط الروايات الشعبية بالتاريخ، مما يجعل من كل زاوية قصة تستحق أن تُروى.

مقام الست سلمى

يعد مقام “الست سلمى”، الكائن داخل مدافن زاوية سلطان، واحدًا من أكثر الأماكن إثارة للفضول في المحافظة. يقصده زوار من داخل المنيا وخارجها، مدفوعين بما يتردد عنه من حكايات ومعتقدات شعبية.

منذ دخول الشارع الرئيسي بمدافن زاوية سلطان، تبرز الأعلام الخضراء المرفوعة فوق عدد من القبور، وكأنها ترشد الزائر إلى مقام “الست سلمى”، الذي يحظى بحضور لافت بين المقامات الشعبية في المنطقة.

لا يتكون المقام من مسجد كبير أو بناء ضخم، بل هو عبارة عن غرفة صغيرة منحوتة داخل الجبل تعلوها كسوة خضراء. ويقول الأهالي إن المكان موجود منذ مئات السنين، وقد تعاقبت على خدمته عائلات من المنطقة.

ضريح الست سلمى

ورغم تسميته بـ”ضريح الست سلمى”، يؤكد عدد من الأهالي أن المكان لا يضم جثمانًا مدفونًا. بل هو مقام ارتبط بحكاية شعبية تناقلتها الأجيال، مما أضفى عليه مزيدًا من الغموض.

بحسب الروايات المتداولة بين الأهالي، كانت “الست سلمى” امرأة صالحة تعرضت لمطاردة من أشخاص أرادوا الاعتداء عليها، فلجأت إلى هذا الموضع في قلب الجبل ودعت الله أن ينجيها.

ويحكي الأهالي أن الجبل انشق لها لتختبئ بداخله ثم عاد كما كان، وهي رواية متوارثة لا توجد أدلة تاريخية أو أثرية تؤكد صحتها.

داخل المقام، يشير بعض الزائرين إلى بقعة حمراء على الصخور. يعتقد البعض أنها تعود إلى دماء “الست سلمى”، رغم عدم وجود أي أدلة علمية أو تاريخية تثبت صحة هذا الاعتقاد ليبقى جزءًا من الموروث الشعبي المتداول.

أمام المقام تقف شجرة نبق قديمة يوليها بعض الزائرين اهتمامًا خاصًا. إذ يروي الأهالي أنها نبتت في المكان الذي ألقت فيه “الست سلمى” عصاها قبل دخولها الجبل. يأخذ بعض الزائرين أوراقها أو ثمارها اعتقادًا منهم بأنها تحمل البركة، وهو اعتقاد شعبي لا يستند إلى دليل ديني أو علمي.

يشهد المقام توافد عدد من الزائرين صباح كل يوم جمعة؛ حيث يأتي البعض للدعاء فيما يقصده آخرون طلبًا للشفاء أو الرزق أو تحقيق الأمنيات. وهذا يعكس استمرار حضور المعتقدات الشعبية لدى بعض الأهالي.

ومن أكثر ما يلفت انتباه الزائر داخل المقام وجود أعداد كبيرة من الخفافيش التي اتخذت من سقف الغرفة مأوى دائمًا. وهذا ما يضفي على المكان أجواءً من الغموض والرهبة في نظر كثير من الزائرين.

لا يخضع مقام “الست سلمى” لإشراف وزارة الأوقاف أو وزارة السياحة والآثار. كما أنه غير مسجل ضمن المزارات الأثرية أو الدينية الرسمية؛ إلا أنه لا يزال يحظى بإقبال كبير من الزائرين بوصفه أحد أشهر المقامات الشعبية في محافظة المنيا.

ولا يقتصر الجبل الشرقي على مقام “الست سلمى” فحسب؛ بل يضم عددًا من الأضرحة والمقامات الشعبية الأخرى مثل ضريح الإمام القرطبي وساحة الشيخ عبدالفتاح. ليظل المكان شاهدًا على تداخل التاريخ بالموروث الشعبي ويجذب المهتمين بالتراث والحكايات الشعبية بقدر ما يستقبل الزائرين الباحثين عن الأجواء الروحانية.