قالت هايدي خالد، الباحثة المتخصصة في الشؤون الأفريقية، إن التحذيرات الأممية الأخيرة بشأن تجدد المعارك في شمال كردفان وإقليم النيل الأزرق تشير إلى تحول عسكري خطير لدى طرفي النزاع. فقد انتقلت الحرب من مرحلة “المواجهات المباشرة والسيطرة على المدن الكبرى” إلى مرحلة تأمين خطوط الإمداد وخنق عقد الملاحة والسيطرة على الشريط الحدودي.

الجيش السوداني يغلق الممرات الجغرافية للتسلل

وأوضحت، في تصريح لـ«فيتو»، أن الأساس الذي بنيت عليه هذه التحذيرات لا يقتصر على البعد الإنساني، بل يرتبط بوقائع ميدانية متفجرة. حيث تسعى القوى المسلحة إلى إغلاق المساحات الجغرافية التي قد تُستخدم كممرات للتسلل أو كمنصات هجومية ضد القواعد الحيوية للطرف الآخر. ومن خلال قراءة الواقع الميداني وتحركات الجبهات، يتضح تركيز «الدعم السريع» على مدينة الأبيض، التي تُعد القلعة الدفاعية والمحور اللوجستي الأهم للجيش السوداني في كردفان. وعودة قوات الدعم السريع للاعتماد على الهجمات المكثفة بالطائرات المسيّرة والتسلل عبر المحاور الشمالية والغربية تعكس رغبتها في خنق المدينة وحصار مرافقها الحيوية، تجنبًا لتكلفة حرب الشوارع المباشرة داخل الأحياء.

تحصين قاعدة الأبيض يضمن التواصل البري للجيش السوداني

واصلت حديثها قائلة: تدرك قوات الدعم السريع أن استمرار تحصين قاعدة الأبيض يُبقي على خطوط التواصل البري للجيش بين القيادة العامة ومواقع التمركز في الوسط والشرق من جهة، وبين إقليم دارفور من جهة أخرى. ومن ثم فإن الضغط الميداني يستهدف الحيلولة دون اتخاذ الأبيض نقطة انطلاق لعملية برية موسعة يستعيد بها الجيش السيطرة على الغرب. أضف إلى ذلك أن تسلل المعارك إلى منطقة “قيسان” المتاخمة للحدود الإثيوبية يرتبط بتعقيدات الشريط الحدودي وتحركات الفصائل المحلية المسلحة في المنطقة.

وتابعت: يسعى الدعم السريع والتحالفات المحلية المساندة له لفتح جبهة استنزاف جديدة في أقصى الجنوب الشرقي لتشتيت التركيز العسكري للجيش؛ بغرض تأمين منافذ تحرك غير مرصودة، مما ينقل الصراع إلى منطقة كانت تمثل عمقًا آمنًا ونقطة ارتكاز لعمليات الإغاثة والتحشد الحكومي.

استمرار حرب الاستنزاف وتقسيم مناطق النفوذ

وأضافت أن هناك عدة سيناريوهات للمشهد الحالي هي:.

السيناريو الأول: استمرار حرب الاستنزاف وتقسيم مناطق النفوذ (المرجح):.

يؤدي بقاء القتال على ذات المنوال إلى ترسيخ واقع سيطرة مجزأة؛ بحيث تحتفظ السلطة الشرعية بالشرق والشمال والوسط ومناطق من النيل الأزرق، بينما تفرض قوات الدعم السريع نفوذها الميداني على أجزاء واسعة من دارفور وكردفان. وهذا لا يعني تقسيم البلاد رسميًا، بل وجود سلطتين مسلحتين تفصل بينهما خطوط تماس ملتهبة بأسلوب شبيه بالنموذج الليبي.

السيناريو الثاني: امتداد الصراع إلى دول الجوار وتدخل أطراف خارجية:.

يهدد اتساع المواجهات في مناطق مثل “قيسان” والحدود الغربية بانتقال شرارة الصراع عبر الحدود إلى تشاد أو إثيوبيا، مع دخول فصائل جديدة موالية لأطراف خارجية. هذا المسار يعطل جهود الإغاثة تمامًا ويقضي على فرصة التسوية، مع تحول الشريط الحدودي لبيئة خصبة لشبكات السلاح والجماعات المسلحة.

السيناريو الثالث: استنزاف الطرفين والتراجع نحو التسوية:.

يتحقق هذا المسار عند وصول الطرفين لمرحلة الإنهاك المالي واللوجستي، مع فرض ضغوط دولية وإقليمية صارمة لوقف تدفقات السلاح. وحينها فقط تتشكل بيئة قابلة لوقف دائم لإطلاق النار والدخول في ترتيبات أمنية تبدأ بفك الحصار عن المدن الحيوية مثل الأبيض وتأسيس سلطة مدنية انتقالية.