لا شك أن جرائم القتل التي تكررت في مجتمعنا مؤخراً ليست مجرد حوادث عادية، بل هي مؤشر خطير على وجود شرخ عميق في نفوس الناس وفي ترابط المجتمع الذي كان دائماً يرفض العنف. تعبر هذه الحوادث عن غضب مكبوت وضياع للأخلاق بدأ يظهر بين مختلف الأعمار. فحين يقدم شاب على إنهاء حياة أمه وشقيقتيه، فهذا دليل على اختفاء لغة الحوار داخل الأسرة، وتحول البيت من مكان للأمان إلى مصدر للضغط والتوتر لدرجة الانفجار. في هذه المأساة نجد أن الجاني عجز عن تحمل الضغوط اليومية والإحباطات المتراكمة، ومع غياب الوعي والعمق المعرفي، لم يجد أمامه سوى السكين ليفجر غضبه الصامت.
وعندما قُتل طالب على يد زميله بسبب مزاح ثقيل وخلاف بسيط، يكشف ذلك كيف تشوه مفهوم الرجولة وإثبات الذات عند الأجيال الجديدة، التي أصبحت تأخذ قيمها من الإنترنت والمسلسلات التي تمجد البلطجة وتجعل من حمل السلاح وسيلة لإثبات الشجاعة. ونجد أن المارة كثيراً ما يقفون للتفرج أو للتصوير بهواتفهم بدلاً من التدخل لمنع الجريمة، مما يدل على أن الناس بدأت تتعود على رؤية مناظر الدماء دون أن تتحرك مشاعرهم.
وإذا نظرنا إلى الجريمة المروعة التي شهدتها محافظة قنا مؤخرًا حيث أقدمت سيدتان على قتل شقيقتين رميًا بالرصاص وإصابة شقيقتهما الثالثة إثر خلافات جيران تصاعدت سريعًا لتحويلها إلى مجزرة دموية استخدمت فيها الأسلحة النارية بدم بارد، فإن خطورة هذه الحادثة تكمن في كونها تكسر نمطًا مجتمعيًا راسخًا امتد لعقود. فالمرأة في العرف الصعيدي كانت دائمًا خطًا أحمر ومحاطة بسياج من الحماية يمنع المساس بها أو إقحامها في صراعات الدم، فضلًا عن أن تباشر هي بنفسها القتل وإطلاق النار. إن تحول الخلافات اليومية البسيطة بين الجيران إلى مواجهة مسلحة تقودها النساء يعكس بوضوح المدى الذي وصل إليه تصاعد العنف في الشارع المصري. ويدل على أن الناس قد أصبحوا في حالة شحن عصبي دائمة، وكأن الجميع يسير وعلى رأسه قنبلة موقوتة تنتظر أي شرارة لتنفجر.
وقد أصبح الكثير منا يتابع تفاصيل الذبح والقتل كأنه يشاهد فيلماً سينمائياً أو يستخدمها لزيادة التفاعل على صفحته أو لإنعاش قناته على يوتيوب. والأغرب عندما يحاول البعض إيجاد أعذار للقاتل أو تشويه سمعة الضحية، وهو مؤشر نفسي مرعب على أن المشاعر تبلدت وتعودت عيوننا على رؤية الدماء حتى لم تعد تحرك فينا ساكناً. فالمجتمع الذي يفقد إحساسه ببشاعة الموت هو مجتمع يواجه أزمة حقيقية في ضميره الإنساني، حيث تتحول الفضيحة والإثارة إلى هدف أهم من جلال الموت وحرمة الروح.
إلى جانب كافة الضغوط الاقتصادية والاجتماعية التي يعرفها الجميع، يأتي تهميش الدين وتغييبه عن جوهره الحقيقي كسبب أول وأخطر وراء ارتفاع وتيرة العنف وزيادة الجريمة في مجتمعنا. فالمسألة ببساطة هي أن الدين عندما يتحول في حياة الناس إلى مجرد مظاهر وشكليات دون أن يغير في أخلاقهم ومعاملاتهم، يفقد المجتمع أكبر حامٍ له من الفوضى. فالقانون يمكنه محاسبة المجرم بعد ارتكابه للجريمة، لكن الدين هو الذي يمنع الشخص من التفكير فيها أساساً لأنه يضع داخل كل إنسان شرطيًا سريًا يعيش في ضميره ويذكره دائماً بخوف الله وحرمة الدم.
ولا يمكننا أن نغفل عاملاً خطيراً ساهم بشكل مباشر في الاستهانة بالأخلاق وبالدماء وهو حملات التشكيك المستمرة في الدين وإهانة مقدساته وثوابته التي تتردد بانتظام على ألسنة بعض الملحدين عبر وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي. هذه الهجمات المتواصلة صادفت فراغاً معرفياً كبيراً لدى قطاعات واسعة من الناس، وبالأخص فئة الشباب الذين لا يملكون خلفية دينية متينة أو حصانة فكرية تحميهم وتجعلهم يميزون بين النقد البناء والهدم الممنهج.
هذا القصف الفكري اليومي لم يؤدِ فقط إلى إضعاف الإيمان التقليدي بل تسبب أيضًا في كسر الهيبة والجلال التي كانت تحيط بالمحرمات والحدود الإلهية لدى الإنسان البسيط. وحين يرى الشاب الذي يفتقر إلى التأسيس المعرفي الصحيح أن الدين وثوابته تتعرض للاستهزاء والتقليل من الشأن باستمرار، يسقط تدريجيًا الخوف من الحساب والآخرة ويصبح للمحرمات الكبرى مثل حرمة الدماء مجرد وجهات نظر أو قوانين وضعية يمكن التحايل عليها.
والنتيجة الحتمية لهذا التجرؤ الفكري هي التجرؤ العملي على أرض الواقع؛ فمن يسهل عليه تقبل إهانة دينه ومصادره التشريعية لن يجد وازعاً يمنعه من استباحة دماء الآخرين أو ارتكاب أبشع الجرائم عند أول خلاف.
ولا نقلل مع ذلك من خطورة العامل الاقتصادي والغلاء والفقر خصوصاً وأن العديد من المجتمعات المتقدمة مرت تاريخياً بظواهر مشابهة لما نراه اليوم حيث شهدت فترات صعود مفاجئ لمعدلات الجريمة والعنف المنفلت. وجاءت الدراسات الاجتماعية والنفسية لتؤكد أن المحرك الأساسي لهذه الموجات لم يكن مجرد انحراف فردي بل كان نتيجة مباشرة للتفاوت الطبقي الحاد واختفاء الأمان الاجتماعي وإفقار الطبقة المتوسطة التي تمثل دائمًا صمام الأمان لأي مجتمع.
إذا نظرنا إلى التجربة الأمريكية وتحديداً خلال أواخر السبعينيات والثمانينيات نجد أن أمريكا شهدت طفرة مرعبة في معدلات الجريمة المنظمة وعنف الشوارع وظهور جرائم غريبة على المجتمع وهو ما ارتبط مباشرة بسياسات اقتصادية أدت إلى تآكل المصانع والشركات التي كانت تشغل الطبقة المتوسطة والعاملة مما دفع بملايين الأسر نحو الفقر المفاجئ وأوجد شعوراً عميقاً بالإحباط والظلم لدى الشباب الذين شعروا بأن أبواب الصعود الاجتماعي المشروع مغلقة وتحول هذا الإحباط النفسي إلى عنف مدمر وعصابات شوارع وهروب جماعي نحو إدمان المخدرات الكيميائية المستحدثة آنذاك والتي كانت وقوداً لأبشع جرائم القتل والسرقة بالإكراه.
وفي أوروبا وفرت تجربة الضواحي الكبرى في فرنسا والمملكة المتحدة نموذجاً حياً لكيفية تحول التهميش الاقتصادي إلى عنف مجتمعي؛ حيث تراجع دور دولة الرفاهية وتقليص الدعم الحكومي للمرافق التعليمية والصحية مما أدى لهبوط شرائح واسعة من الطبقة المتوسطة الدنيا إلى قاع المجتمع وهذا الإفقار المستمر خلق ما يسمى بالعزلة الاجتماعية حيث تعيش فئات كاملة داخل ضواحي معزولة ومهمشة تشعر بالاغتراب التام عن ثقافة الدولة وقوانينها ولم يعد العنف هنا مجرد وسيلة للكسب بل أصبح لغة للاحتجاج والتعبير عن الغضب المكتوم ضد مجتمع منحاز للأثرياء مما تجلى ذلك بحوادث حرق السيارات والاشتباكات الدامية مع الشرطة واستهداف الممتلكات العامة عند أي شرارة أو خلاف بسيط بالشارع.
وفي كوريا الجنوبية التي انتقلت بسرعة الصاروخ من الفقر إلى الثراء الاقتصادي والتكنولوجي الهائل فإن هذا النمو السريع جاء على حساب النسيج الاجتماعي والصحة النفسية للمواطنين؛ إذ تسببت السيطرة المطلقة للشركات العائلية الكبرى في سحق المشاريع الصغيرة وإفقار الطبقة المتوسطة وخلق فجوة طبقية مرعبة لخصها الكوريون أنفسهم بمصطلح (مجتمع الجحيم) الذي نتج عنه ظهور نمط رهيب من الجرائم الاندفاعية وغير المبررة يُعرف هناك (بجرائم دونغ غي) أو “جرائم الغضب الأعمى ضد المجتمع” حيث يقوم شخص ليس له سجل إجرامي فجأة بطعن مارة أو الاعتداء على غرباء لمجرد تفريغ طاقة الحقد والإحباط المتراكمة بداخله نتيجة إحساسه بالفشل والتهميش المادي.
وعلى النقيض تمتلك اليابان واحدة من أكثر التجارب إثارة للاهتمام عالميًا للحفاظ على الأمن وخفض معدلات الجريمة إلى مستويات قياسية حتى باتت تُصنف دائمًا كواحدة من أكثر البلدان أمانا. تتجلى مظاهر هذه التجربة الفريدة في تفاصيل الحياة اليومية للمواطنين والزوار؛ حيث يستقل الأطفال الصغار وسائل النقل العامة بمفردهم للذهاب إلى مدارسهم دون أي مرافقين مما يعكس حجم الطمأنينة المجتمعية.
تتضافر عدة أسباب وعوامل رئيسية وراء نجاح هذه التجربة وتحولها إلى واقع معيش؛ تأتي الثقافة المجتمعية والتربية في مقدمة هذه الأسباب حيث يتربى الفرد الياباني منذ صغره على مبدأ الوعي الجماعي وتقديم مصلحة المجتمع على المصلحة الفردية مما يجعله يُنظر إلى ارتكاب الجريمة ليس فقط كخرق للقانون بل كوصمة عار تلحق بالفرد وعائلته ومحيطه الاجتماعي وهو ما يشكل رادعًا أخلاقيًا ونفسيًا قويًا بالإضافة إلى البعد الثقافي يلعب النظام الأمني والتشريعي دورا حاسما حيث تعتمد اليابان نظام شرطة مجتمعي يُعرف باسم “الكوبان” (Koban) وهي عبارة عن مراكز شرطة صغيرة تنتشر بالأحياء السكنية والزوايا التجارية مما يجعل رجال الشرطة جزءً لا يتجزأ من النسيج اليومي للحي ويبني علاقة ثقة وطيدة بين الأمن والسكان تسمح بوقاية المجتمع من الجريمة قبل وقوعها بالإضافة للقوانين الصارمة للغاية المتعلقة بحيازة الأسلحة وأخيراً يسهم الاستقرار الاقتصادي وانخفاض معدلات البطالة والتوزيع العادل للثروات بغياب الدوافع الاقتصادية التقليدية التي تدفع الأفراد عادةً نحو الانحراف أو السرقة مما يجعل المنظومة اليابانية نموذجًا متكاملاً يجمع بين صرامة القانون وسمو الأخلاق المجتمعية.
خلاصة القول إن الحل الأمني والقانوني ضروري لتحقيق العدالة لكنه وحده لا يكفي لأنه يأتي دائماً بعد وقوع الكارثة؛ نحن بحاجة إلى “انتفاضة مؤسسية” تبدأ من المدرسة والمؤسسات الدينية والإعلام لإعادة الاعتبار لقيمة الحياة البشرية وبناء مظلات للدعم النفسي والإرشاد الأسري للأسر الأكثر احتياجاً ومحاصرة المحتوى الذي يتاجر بالدم والتصدي لمن يهين الدين بالإعلام مع العمل على زيادة الوعي الديني حتى يرمم الشروخ التي أصابت وجداننا ويحمي المجتمع من الانزلاق أكثر نحو هذا العنف الغريب عن طبعنا.

