في ظل التحديات الإقليمية والدولية التي تواجه أسواق الطاقة، وما تفرضه من ضغوط على اقتصادات الدول، تواصل مصر تنفيذ خططها لتعزيز أمن الطاقة وزيادة الاستثمارات في قطاعي البترول والكهرباء، فضلاً عن التوسع في مشروعات الطاقة الجديدة والمتجددة، بما يدعم مكانتها كمركز إقليمي لتجارة وتداول الطاقة.
وفي حوار خاص لـ “فيتو”، كشف المهندس أسامة كمال، وزير البترول الأسبق ورئيس لجنة الطاقة بمجلس الشيوخ، رؤيته لمستقبل قطاع الطاقة في مصر. وأكد أن القطاع أثبت قدرته على تجاوز أصعب الأزمات وأن ما تحقق خلال السنوات الأخيرة من تطوير للبنية التحتية وسداد مستحقات الشركاء الأجانب يمثل أساسًا قويًا لتحقيق أمن الطاقة وتعزيز جذب الاستثمارات. وفيما يلي تفاصيل أكثر حول واقع ومستقبل الطاقة في مصر من وجهة نظر خبير وطني.
– كيف تقيّم أداء قطاع البترول والطاقة في مصر خلال المرحلة الحالية؟
أرى أن قطاع البترول والطاقة في مصر يظل أحد أكثر القطاعات الإنتاجية قدرة على مواجهة الأزمات. حتى في الفترات التي تعرض فيها لظروف استثنائية أثرت على الإيرادات أو معدلات الإنتاج، ظل القطاع قادرًا على القيام بدوره في حماية الدولة والحفاظ على استقرار منظومة الطاقة.
فالقطاع لا يعتمد فقط على إنتاج البترول والغاز، بل يمتلك بنية تحتية ضخمة تضم تسعة معامل تكرير وأكثر من 20 ألف كيلومتر من خطوط النقل الرئيسية، بالإضافة إلى ملايين الكيلومترات من خطوط نقل الخام والغاز والمنتجات البترولية. كما يمتلك صهاريج تخزين وموانئ للتداول ومحطات كهرباء وشبكات نقل وتوزيع، وهي منظومة متكاملة يديرها كوادر بشرية تمتلك خبرات كبيرة ساعدت الدولة على تجاوز أزمات عديدة.
ولو نظرنا إلى بعض الدول المجاورة سنجد أنها تمتلك احتياطيات كبيرة من النفط لكنها تعرضت لظروف سياسية وأمنية أدت إلى تدمير معامل التكرير أو تعطيل البنية التحتية. فأصبحت تصدر الخام وتستورد المنتجات البترولية، بينما استطاعت مصر الحفاظ على منظومتها واستمرار تشغيلها.
– ما أبرز التحديات التي واجهت قطاع البترول خلال السنوات الماضية؟ وكيف تعامل معها؟
يتأثر قطاع البترول سريعًا بالأزمات الاقتصادية والسياسية، خاصة عندما تؤثر على قدرة الدولة في سداد مستحقات الشركاء الأجانب، مما ينعكس مباشرة على عمليات البحث والاستكشاف. يجب أن ندرك أن أي توقف في الاستثمار لا يمكن تعويضه خلال أشهر؛ إذ تستغرق عمليات البحث والاستكشاف والحفر ثم التنمية وربط الحقول الجديدة بالشبكة ما بين خمس وسبع سنوات.
ورغم ذلك أثبت قطاع البترول المصري عبر تاريخه قدرته على تجاوز أصعب الظروف. فمنذ حرب يونيو 1967 حين تعرضت بعض معامل التكرير للقصف، نجحت الدولة في نقل أجزاء منها إلى القاهرة وطنطا والإسكندرية لضمان استمرار توفير المنتجات البترولية. واستمر الأداء خلال حرب أكتوبر وحتى استعادة حقول سيناء.
كما واجه القطاع تحديات بين عامي 2010 و2017 حين تراجعت الاستثمارات الأجنبية نتيجة الظروف الاقتصادية. ومع ذلك تمكن العاملون بالقطاع من الحفاظ على مستويات الإنتاج قبل أن تستعيد الدولة قدرتها على سداد مستحقات الشركاء مما ساهم في عودة الاستثمارات وارتفاع الإنتاج مجددًا خلال عامي 2018 و2019.
لكن منذ عام 2020 واجه العالم سلسلة متلاحقة من الأزمات بدءًا بجائحة كورونا ثم الحرب الروسية الأوكرانية والأحداث في غزة والتوترات الإقليمية بين إيران وإسرائيل، وكلها فرضت ضغوطًا اقتصادية كبيرة على قطاع الطاقة عالميًا وليس فقط في مصر.
ورغم هذه التحديات بذل العاملون في قطاعي البترول والكهرباء جهودًا كبيرة للحفاظ على استقرار المنظومة وتأمين احتياجات الدولة من الطاقة.
– كيف ترى مستقبل قطاع الطاقة في ظل هذه التحديات؟
وضعت الدولة أهدافًا طموحة للطاقة المتجددة؛ حيث أصبح الهدف الوصول إلى نسبة 45% من إجمالي مزيج الطاقة بحلول عام 2028 بدلاً من 42% بحلول عام 2030. وهذا يعكس حجم العمل الجاري ويؤكد أن قطاع الطاقة المصري يسير بخطى ثابتة رغم التحديات.
– ما أبرز الإنجازات التي تحققت في قطاعي الكهرباء والبترول خلال السنوات الأخيرة؟
شهد قطاع الكهرباء طفرة حقيقية بين عامي 2012 و2015 حيث كانت مصر تمتلك نحو 48 محطة كهرباء تعمل بكفاءة منخفضة تتراوح بين 18 و23%. ومع تنفيذ مشروعات التطوير الكبرى وإنشاء محطات جديدة مثل محطات سيمنز ارتفعت القدرة المتاحة إلى نحو 58 جيجاوات مما وفر احتياطيًا آمنًا لمواجهة الزيادة المستمرة في الأحمال خاصة خلال فصل الصيف.
كما ارتفعت كفاءة المحطات القديمة إلى ما بين 40 و50% بينما تصل كفاءة محطات سيمنز إلى نحو 63%. هذا يعني إنتاج كميات أكبر من الكهرباء باستخدام نفس كمية الغاز الطبيعي مما ساهم في ترشيد استهلاك الوقود وخفض تكلفة التشغيل.
شهدت شبكات النقل والتوزيع عمليات تطوير واسعة بعد سنوات طويلة من نقص الاستثمارات حتى أصبحت أكثر قدرة على استيعاب القدرات الجديدة ومنع الاختناقات التي كانت تحدث سابقًا. وفي الوقت نفسه تتقدم أعمال تنفيذ محطة الضبعة النووية بصورة جيدة وهو مشروع استراتيجي طال انتظاره منذ الستينيات وسيضيف مصدرًا جديدًا وآمنًا للطاقة ضمن مزيج الطاقة المصري.
نجحت الدولة أيضًا في تأمين احتياجات محطات الكهرباء من الوقود مما انعكس إيجابيًا على استقرار التغذية الكهربائية لتشهد مصر للعام الثاني على التوالي استقراراً كبيراً حيث أصبحت الأعطال المرتبطة بأسباب فنية محدودة وليست ناتجة عن نقص الوقود أو انخفاض قدرات التوليد.
أما بالنسبة لقطاع البترول فقد كان التحدي الأكبر هو مواجهة التراجع الطبيعي للإنتاج والذي يصل سنويًا إلى ما بين 10 و15% نتيجة انخفاض الضغط داخل الآبار. ولذلك فإن الحفاظ على معدلات الإنتاج الحالية يُعد إنجازاً لأنه يعني إضافة إنتاج جديد يعوض هذا الانخفاض الطبيعي.
ساهمت الدولة أيضًا في استعادة ثقة الشركاء الأجانب عبر سداد جانب كبير من مستحقاتهم وتعديل بعض الاتفاقيات بما يوفر حوافز تشجع زيادة الإنتاج خاصةً بالمناطق القائمة للامتياز مما ساعد على تسريع عمليات التنمية وربط الآبار الجديدة بالشبكة القومية للإنتاج.
– هل نجحت هذه الإنجازات في ترسيخ مكانة مصر كمركز إقليمي لتجارة وتداول الطاقة؟
أعتقد أن ما تحقق لم يكن مجرد تطوير للبنية التحتية أو زيادة القدرات الإنتاجية بل أسهم أيضاً بشكل كبير في تعزيز مكانة مصر إقليمياً ومنحها استقلالية أكبر حماها من التعرض لأي ضغوط سياسية تتعلق بالطاقة. لدينا دول تمتلك احتياطيات ضخمة لكنها لا تمتلك منظومة متكاملة للتكرير أو النقل أو الإسالة أو التخزين وقد تأثرت بالاضطرابات السياسية والصراعات مما جعلها تعتمد بشكل كبير على تصدير الخام واستيراد المنتجات البترولية بينما استطاعت مصر الحفاظ وتطوير بنيتها الأساسية مما منحها ميزة تنافسية حقيقية.
<.

