مِن البحرين بدأت “أزمة لوجستية” تُطارد القوات الأمريكية في الشرق الأوسط، بعدما أدى هجوم إيراني إلى تدمير مركز إمداد رئيسي كانت تعتمد عليه البحرية الأمريكية لعقود، ما أجبر واشنطن على إعادة ترتيب خطوط الإمداد لمسافات آلاف الأميال، بالتزامن مع استمرار انتشار حاملات الطائرات والضغط على آلاف البحارة.

ضربة البحرين تخنق إمدادات القوات الأمريكية

وفي التفاصيل، كشفت صحيفة “نيويورك تايمز” أن المشكلات اللوجستية التي تواجه حاملة الطائرات الأمريكية “يو إس إس أبراهام لينكولن” ارتبطت بشكل مباشر بتداعيات الهجمات الإيرانية التي استهدفت قاعدة بحرية أمريكية في البحرين خلال الأيام الأولى من الحرب، مما دفع البحرية الأمريكية إلى إعادة ترتيب خطوط إمدادها لمسافات بعيدة.

وأدى تضرر القاعدة إلى “تعطيل مركز لوجستي كانت البحرية الأمريكية تعتمد عليه منذ عقود” لتوفير الإمدادات اللازمة للسفن والبحارة المشاركين في العمليات العسكرية بالمنطقة.

قاعدة البحرين تخرج عن الخدمة

بدأت أزمة الإمدادات لحاملة الطائرات “لينكولن” بعد وقت قصير من اندلاع الحرب، عندما استهدفت صواريخ إيرانية وطائرات مسيّرة قاعدة بحرية أمريكية في البحرين، ردا على الهجوم الأمريكي الإسرائيلي على إيران.

وأدى الهجوم إلى تدمير جزء كبير من القاعدة، بما في ذلك منشآت كانت تُشكل “مركزا رئيسيا” للخدمات اللوجستية البحرية، وهو ما فرض على وزارة الحرب الأمريكية البحث سريعا عن بدائل لتأمين الطعام والوقود والمستلزمات الضرورية للبحارة الذين يعملون على مدار الساعة لدعم العمليات الجوية.

ومع وجود مخاوف من استهداف موانئ وقواعد أخرى في المنطقة، اتجه البنتاجون إلى قاعدة “دييجو جارسيا” الواقعة تحت الإدارة البريطانية باعتبارها نقطة إمداد بديلة للعمليات الأمريكية، وفقًا لما ذكرته صحيفة “نيويورك تايمز”.

دييجو جارسيا.. مركز الإمداد البديل

تقع جزيرة “دييجو جارسيا” في المحيط الهندي، جنوب جزر المالديف، وعلى بُعد نحو 2200 ميل من خليج عُمان حيث تعمل مجموعتان من حاملات الطائرات الأمريكية.

وقال مسؤول عسكري أمريكي لـ”نيويورك تايمز”، تحدث شريطة عدم الكشف عن هويته نظرا لحساسية المعلومات اللوجستية، إن البحرية بدأت استخدام الجزيرة كنقطة شحن رئيسية بعد تعرّض القاعدة الأمريكية في البحرين لأضرار بالغة.

ورجحت الصحيفة الأمريكية أن يكون استخدام دييجو جارسيا كمركز لوجستي جديد أحد الأسباب التي دفعت إيران إلى إطلاق صاروخين باليستيين متوسطَي المدى باتجاه الجزيرة في 20 مارس. وسقط أحد الصاروخين في المحيط الهندي قبل وصوله إلى هدفه بينما اعترضت سفينة حربية تابعة للبحرية الأمريكية الصاروخ الآخر.

ضغوط متزايدة على طاقم “لينكولن”

ساهم فقدان القاعدة اللوجستية في البحرين في تفاقم مجموعة من المشكلات التي ظهرت على متن حاملات الطائرات الأمريكية المشاركة في العمليات ضد إيران وعلى رأسها “يو إس إس أبراهام لينكولن”.

وتضم الحاملة الأمريكية نحو 5 آلاف بحار فيما اقتربت مدة انتشارها من 9 أشهر مما أثار مخاوف عدد من أعضاء مجلس الشيوخ الديمقراطيين بشأن أوضاع الطاقم بما في ذلك نقص بعض الإمدادات الأساسية وتدهور الصحة النفسية لبعض أفراد الطاقم.

وقال السيناتور الديمقراطي عن ولاية كونيتيكت ريتشارد بلومنتال، في رسالة إلى وزير الحرب بيت هيجسيث إن التقارير المتعلقة بأوضاع البحارة تضمنت مشكلات تتعلق بالإمدادات الأساسية ومخاوف بشأن الصحة النفسية لأفراد الطاقم.

واشنطن تتمسك بمواصلة الانتشار

وفي المقابل قلل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من المخاوف المتعلقة بطول مدة انتشار الحاملة مؤكدا أن “لينكولن” تتحرك أو ستتحرك قريبا وأن حاملة طائرات أخرى ستحل محلها.

وقال ترامب خلال وجوده في قاعدة جوية بولاية ماريلاند إن الحاملة سيتم استبدالها بسفينة أخرى مشابهة مشيرا إلى “يو إس إس جورج واشنطن” التي يجري الدفع بها إلى الشرق الأوسط. وكانت “جورج واشنطن” المتمركزة في اليابان قد شُوهدت سابقا وهي تتحرك غربا عبر “مضيق ملقا” في المياه الإندونيسية متجهة إلى المنطقة.

جورج واشنطن تستعد لخلافة لينكولن

من المتوقع أن تحل “يو إس إس جورج واشنطن” محل “لينكولن” في الشرق الأوسط بينما تُواصل حاملة الطائرات “يو إس إس جورج إتش دبليو بوش” عملياتها في المنطقة بعد مغادرتها نورفولك في 31 مارس.

وعندما سُئل ترامب عن مدة انتشار حاملات الطائرات الأمريكية رفض اعتبار فترات الانتشار الحالية طويلة قائلا: إنها ليست طويلة بما فيه الكفاية على الإطلاق.

وجاء موقف وزير الحرب هيجسيث متسقا مع توجه ترامب إذ أكد أن البحرية الأمريكية قادرة على مواصلة فرض الحصار في المنطقة إلى أجل غير مُسمى عبر تدوير السفن والقوات الموجودة هناك.

بريطانيا ودييجو جرسيا.. بداية خلاف مع واشنطن

في بداية الحرب رفض رئيس الوزراء البريطاني السابق آنذاك كير ستارمر السماح للبنتاجون باستخدام قاعدة “دييجو جارسيا” في العمليات ضد إيران وهو القرار الذي أثار غضب ترامب. لكن ستارمر تراجع لاحقا في الأول من مارس وسمح للجيش الأمريكي بالوصول إلى الجزيرة واصفا الاستخدام بأنه مخصص لـ”غرض دفاعي محدد ومحدود”. وبعد تعرّض القاعدة الأمريكية في البحرين للضرر أصبحت “دييجو جارسيا” عنصرًا أساسيًا في شبكة الإمداد الأمريكية رغم بعدها الكبير عن منطقة العمليات.

لينكولن بلا ميناء للراحة منذ أشهر

تواجه “لينكولن” تحديًا إضافيًا يتمثل في بقائها لمدة تقارب 9 أشهر دون التوقف فيما تُسميه البحرية الأمريكية “ميناء الحرية” وهو الميناء الذي يستطيع البحارة النزول فيه والحصول على فترة راحة بعيدا عن السفينة. وتُعد البحرين واحدة من الموانئ التي تستخدمها حاملات الطائرات الأمريكية عادة للحصول على فترات راحة وإعادة التزود بالإمدادات بينما يُمثّل ميناء الفجيرة الإماراتي خيارًا آخر إلا أنه يقع أيضًا ضمن مدى الصواريخ الإيرانية بحسب ما ذكرته صحيفة نيويورك تايمز. وتشير هذه الظروف إلى حجم الضغوط التي تواجهها البحرية الأمريكية للحفاظ على عمليات حاملات الطائرات بالتزامن مع اتساع نطاق المواجهة وتعطل بعض مراكز الإمداد التقليدية.

انتشار استثنائي لحاملات الطائرات الأمريكية

وفقًا لنيويورك تايمز تُشارك نسبة كبيرة من أسطول حاملات الطائرات الأمريكية في العمليات المرتبطة بالحرب فيما تعتمد إدارة ترامب على حاملات متعددة لتغطية مناطق مختلفة من العالم. ورغم أن مدة الانتشار التقليدية لحاملات الطائرات أثناء السلم تبلغ نحو 6 أشهر فإن بعض الحاملات أمضت فترات أطول بكثير بعد هجمات 11 سبتمبر. وسجلت حاملة الطائرات “يو إس إس جيرالد آر فورد” رقما قياسيا بانتشار استمر 326 يوما وهو أطول انتشار لحاملة طائرات منذ حرب فيتنام. لكن الظروف الحالية تختلف عن تلك الحقبة إذ كانت حاملات الطائرات خلال حرب الفيتنام قادرة على التوجه إلى قاعدة خليج سوبيك بالفلبين خلال رحلة قصيرة نسبيًا لإتاحة الراحة للبحارة وإعادة تحميل الذخائر والطعام والوقود والإمدادات الأساسية.

خمسة أيام راحة مستحقة للطاقم

تنص التقاليد واللوائح البحرية الأمريكية على إمكانية حصول قائد السفينة الحربية على يوم راحة للطاقم بعد قضاء 45 يوما متواصلة أو أكثر. وبالنظر إلى مدة انتشار لينكولن كان طاقم الحاملة قد أصبح مستحقا بالفعل لنحو 5 أيام من الراحة وفقًا لما أوردته الصحيفة الأميركية. ولم يرد متحدث باسم الأسطول الخامس الأمريكي المسؤول عن العمليات البحرية بالمنطقة فورًا على طلب للتعليق بشأن ما إذا كانت أي من السفن المشاركة بالحرب مع إيران قد طلبت الحصول على أيام الراحة المقررة.

عائلات البحارة تسأل عن جدوى المُهمة

تزايدت مخاوف عائلات أفراد الطاقم بشأن طول فترة الانتشار والظروف التي يعمل فيها البحارة. وقال النائب الديمقراطي عن ولاية كاليفورنيا مايك ليفين إن ناخبين من دائرته يشملون بحارةً على متن لينكولن وإن أفرادًا من عائلاتهم تواصلوا معه للتعبير عن مخاوفهم بشأن استمرار الانتشار. وأضاف ليفين وفق نيويورك تايمز أن السؤال الأكبر الذي تُريد العائلات الحصول على إجابة عنه يتعلق بطبيعة المُهمة وهدفها قائلاً: “ما هي المُهمة هنا؟ هذا ما تُريد العائلات معرفته.” وتسلط هذه المخاوف الضوء على التحديات التي تواجه البحرية الأمريكية للحفاظ على انتشار طويل الأمد لحاملات الطائرات بالتزام مع تضرر مراكز الإمداد التقليدية وارتفاع المخاطر الأمنية وسط إصرار واشنطن على مواصلة عملياتها العسكرية والبحرية بالمنطقة.