بدأت الثورة الأولى في عهد الملك الهكسوسي أبوبي، الذي رأى أن حاكم طيبة سنكرع والد أحمس قد أصبح قويًا لدرجة تشكل خطرًا على الهكسوس، فأرسل إليه تهديدًا ليدفعه إلى مواجهته. قبل سنكرع التحدي وخرج على رأس جيش لمحاربة الهكسوس، حيث نشبت معارك عنيفة بين القوتين أسفرت عن استشهاد سنكرع.
بعد وفاة الملك سنكرع عام 1585 ق.م، تولى ابنه كاموس الحكم بتشجيع من والدته أياح حوتب، التي تُعتبر روح الثورة على الهكسوس. وقفت بجانب زوجها سنكرع حتى استشهد في ساحة المعركة.
حينما تولى كاموس الحكم، أراد الهكسوس أن يضربوه من الخلف فألبوا عليه حكام النوبة الذين كانوا خاضعين لسلطانه، مما اضطره للتوجه إلى الجنوب لمواجهة هذا التمرد. تمكن كاموس من هزيمة النوبيين وإعادة السيطرة عليهم.
ثم عاد كاموس لاستئناف الحرب ضد الهكسوس في الشمال، لكن خلال إحدى جولات القتال، لقي مصير والده وسقط شهيدًا بعد خمس سنوات من حكمه عام 1580 ق.م. انتقل الحكم بعده إلى أخيه الأصغر أحمس الأول، الذي أعدته والدته منذ صغره للتدريب على القتال مع المحاربين القدامى.
فور تسلمه الحكم عام 1580 ق.م وكان عمره 19 سنة، تلقى أحمس رسالة من ملك الهكسوس أبوبي تحث ملك النوبة آتا للزحف نحو طيبة عاصمة المصريين. أثار هذا الفعل حماس أحمس وبدأ نضاله بشن هجمات متعددة على معاقل الهكسوس في أراضيهم بالدلتا.
جاء وقت المعركة الكبرى حين قاد أحمس الجيوش في أحد أيام عام 1580 ق.م مستخدمًا أحدث أسلحة عصره – العجلات الحربية وراميات اللهب – وانضم إلى جيشه الكثير من شعب طيبة. توجه إلى أفاريس (صان الحجر حاليًا) عاصمة الهكسوس وهزمهم هزيمة ساحقة حيث سقطت حصونهم الكبيرة واحدة تلو الأخرى.
لم يكتف أحمس بهذا النصر العظيم بل استمر في ملاحقة الهكسوس حتى مدينة شاروهين بفلسطين، التي كانت واحدة من أقوى حصونهم التي شيدوها خلال إقامتهم قبل قدومهم إلى مصر. تحصنوا بأسوارها المنيعة أملاً في صد ضربات أحمس القوية.
تمكن الملك أحمس من شق صفوفهم حتى استسلموا ولم يعد لهم وجود بعد ذلك. كان هذا الانتصار بمثابة بداية عصر جديد وهو عصر الدولة الحديثة حيث لم يظهر الهكسوس بعدها في التاريخ. أصبحت مصر بعد هذه الملحمة الخالدة إمبراطورية قوية تمتد من أعالي نهر دجلة والفرات شمالًا حتى الشلال الرابع جنوبًا لتؤكد مصر أنها عصية على السقوط مهما كانت التحديات الخارجية أو الداخلية.
من هذه الملحمة العظيمة نستخلص درسًا تاريخيًا مهمًا؛ إذ أن تغلغل الهكسوس في مصر كان نتيجة العمالة الوافدة من الآسيويين داخل المجتمع المصري مما أدى إلى تكوين فكرة تتصادم مع الدولة المصرية العريقة. يمكن تشبيه ذلك بظاهرة التأسلم الماسوني بمختلف شعاراتها حيث تصل عبر الخداع ودعوات الضلال لتصبح مكوناً فكرياً وعقدياً متعارضاً مع الدولة ويهدد وحدتها.
حملة الهكسوس تشبه حملة جماعات التأسلم مثل الإخوان والمتطرفين والقاعدة وداعش وغيرها؛ فالقضاء عليهم في 30 يونيو 2013 هو فعل مشابه لفعل أحمس عند القضاء على الهكسوس وتوحيد البلاد.
يعود درس أحمس اليوم بشكل جديد ليبقى ثابتًا رغم مرور الزمن حيث يؤكد أهمية إنجاز المعركة الداخلية وتوحد البلاد خلف العنوان الوطني لتحقيق الاستقرار السياسي ومن ثم التمدد الإقليمي كما حدث عندما طرد أحمس الهكسوس ووحد القطر المصري وبسط نفوذه على كامل الأراضي المصرية مما جعل الإمبراطوريات الكبرى آنذاك تخشى قوته وتسارع بإرسال الوفود للتبادل التجاري والثقافي.
هذا ما حدث لمصر في عصرنا الحالي عندما قضت على جماعة الإخوان المتأسلمين الذين كانوا عملاء للخارج ويسعون لتفكيك مصر خلال موجة الخريف العربي المدمرة عبر ثورتنا المجيدة في الثلاثين من يونيو 2013 وما تبع ذلك من تصفية لبؤر الإرهاب وبسط هيبة الدولة.
نتيجة لذلك سارعت دول العالم لتلبية نداء تبادل المصالح والاستثمار وتلاقي الثقافات، وهي نتيجة معركة توحد مصر خلف العنوان الوطني واستقلالية قرارها الداخلي حيث أن الاستقرار السياسي هو قاطرة الاقتصاد والتنمية.
المجد والخلود لمصر الحضارة والتاريخ.. العلياء والسؤدد لشهدائها الأبرار.. العز والفخار لشعبها الأبي.

