تتناول آيات الطلاق في سورة البقرة أحكام الطلاق في عدة مواضع، حيث أوردت السورة عددًا من الآيات التي تعالج مختلف جوانب الطلاق والإيلاء وأحكام العدة والحقوق الزوجية. تهدف هذه الأحكام إلى تنظيم العلاقة الزوجية بما يحفظ حقوق الطرفين ويحقق العدالة والإنصاف. في السطور التالية، سنستعرض أحكام الطلاق والإيلاء.

أحكام الإيلاء والطلاق في سورة البقرة

تعتبر أول آية في القرآن الكريم تتعلق بموضوع الطلاق موجودة في سورة البقرة، حيث تشير إلى الخيار المشروع للأزواج بعد الإيلاء (الحلف على ترك مباشرة الزوجة). إذا امتنع الزوج عن الفيء، فإن الطلاق يصبح خيارًا نهائيًا لتفادي الإضرار بالزوجة. قال الله تبارك وتعالى:.

‌‌‌‌{للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر فإن فاؤوا فإن الله غفور رحيم (226) وإن عزموا الطلاق فإن الله سميع عليم (227)} [البقرة].

بدأت الآيات الكريمة بحكم الإيلاء، وتظهر مناسبتها مع الآية التي قبلها حيث تتحدثان عن الأحكام المتعلقة باليمين والحلف. يُعتبر الإيلاء نوعًا خاصًا من الحلف يقصد به تأديب المرأة، وكان مدخلاً قرآنيًا رائعًا لتوضيح أحكام الطلاق وفق ما يقتضيه حكمة الله سبحانه وتعالى. وبعد بيان هذه الأحكام العامة في الأيمان بقوله تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ ﴾ [البقرة: 225]، عقَّب الله سبحانه ذلك ببيان حكم اليمين الخاصة.

حكم الإيلاء

الإيلاء هو حلف الزوج على الامتناع عن مباشرة زوجته. وقد تناول القرآن هذا الحكم في قوله تعالى:.

{لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِّسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ ۖ فَإِن فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (226) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (227)} [البقرة: 226-227].

بدأت الآيات بحكم الإيلاء حيث حددت مدة قصوى له وهي أربعة أشهر. إذا رجع الزوج عن إيلائه خلال هذه المدة، فإن الله يغفر له. أما إذا أصر على عدم الرجوع، فقد أوجب الله التفريق بينهما، لأن الحياة الزوجية لا تقوم على الهجران والقطيعة.

قال ابن عاشور: وإن لم يفيئوا فقد وجب عليهم الطلاق، فهم بخير النظرين بين أن يفيئوا أو يطلقوا؛ فإن عزموا الطلاق فقد وقع طلاقهم.

وقال عبد الله بن عباس: كان إيلاء أهل الجاهلية السنة والسنتين وأكثر من ذلك، فوقَّت الله لهم أربعة أشهر؛ فإن كان إيلاؤه أقل من أربعة أشهر فلا يُعتبر إيلاءً.

وعن سعيد بن المسيّب: كان ذلك من ضِرار أهل الجاهلية، حيث كان الرجل لا يريد المرأة ولا يحب أن يتزوجها غيره، يحلف ألّا يقربها أبدًا ويتركها لا أيّمًا ولا ذات بعل. وقد جعل الله الأجل الذي يعلم به ما عند الرجل في المرأة وهو أربعة أشهر؛ فنزل قوله تعالى: {للذين يؤلون من نسائهم}.

وقد حدد الله تعالى مدة قصوى للذين يحلفون ألا يقربوا نساءهم وهي أربعة أشهر؛ إشارة إلى أن الإيلاء لمدة طويلة مما لا يرضي الله تعالى لما فيه من قطيعة واستمرار نزاع ومنعًا من إلحاق الضرر بالمرأة وإهدار حقوقها.

فإن رجعوا بالفعل لا بالقول إلى ما حلفوا على الامتناع منه وكانوا عليه، فإن الله يغفر لهم ما كان من الحنث في أيمانهم؛ لأن الفيئة تُعتبر توبة في حقهم ورحمته واسعة.

حكم الطلاق في القرآن

اختلف الفقهاء في حكم الطلاق بعد انتهاء مدة التربص الناتجة عن الإilاء. جمهور الفقهاء من المالكية والشافعية والحنابلة يرون أن الطلاق لا يقع بمجرد انتهاء المدة بل يجب أن يرفعه الزوج إلى القاضي. أما الحنفية، فيرون أن الطلاق يقع تلقائيًا بعد انتهاء مدة الأربعة أشهر.

جاء في ذلك قوله تعالى: {وإن عزموا الطلاق فإن الله سميع عليم}.

والعزم هو عقد القلب على الشيء والتصميم عليه؛ يقال عزم على الشيء يعزم عزماً وعزيمة.. إذا عقد نيته عليه. والطَّلاق هو حل عقد النكاح الذي بين الرجل والمرأة.

ومعنى الآيتين الكريمتين: أن الله -تعالى- جعل للذين يحلفون على ترك مباشرة أزواجهم مدة يراجعون فيها أنفسهم وينتظرون فيها ما يستقر عليه أمرهم؛ وهذه المدة هي أربعة أشهر. فإذا رجعوا عما حلفوا عليه من ترك مباشرة الزوجة ورأوا أن المصلحة تكمن في الرجوع، فإن الله -تعالى- يغفر لهم ما فرط منهم. وإن استمروا على ترك مباشرة نسائهم وأصروا على ذلك بعد انقضائها، فإن شرع الله -تعالى- يحكم بالتفريق بينهما لأن الحياة الزوجية لا تقوم على البغض والكراهية والهجران وإنما تقوم على المحبة والمودة والرحمة.