قطعة من الطين. هذا هو الانطباع الأول الذي قد يخطر في ذهن الزائر أمام بعض الخزفيات القديمة: مادة بسيطة، شكل دائري أو إناء صغير، وربما لون أو زخرفة تلفت النظر.
لكن الوقوف أمام المجموعة المعروضة في متحف الخزف الإسلامي بالزمالك يكشف أن هذه المادة البسيطة تحمل وراءها تاريخًا أكثر تعقيدًا بكثير.
يضم المتحف 315 قطعة خزفية تمثل عصورًا ومناطق إنتاج مختلفة، وتكشف تنوعًا في الأساليب والتقنيات وطرق الصناعة. وبين هذه القطع يظهر الخزف المصري والتركي والإيراني والسوري، إلى جانب نماذج من الأندلس والعراق وتونس والمغرب.
هنا لا يصبح السؤال: ماذا كان المسلمون يصنعون من الخزف؟
بل يصبح السؤال الأوسع:.
ماذا تستطيع قطعة خزفية أن تخبرنا عن الإنسان الذي صنعها واستخدمها؟
315 قطعة.. وخريطة من الطين.
الأرقام تكشف شيئًا مهمًا عن طبيعة المجموعة.
من بين القطع الـ315 توجد 116 قطعة من الخزف المصري، و118 من الطراز التركي، و49 من الطراز الإيراني، و25 من الطراز السوري، إلى جانب قطعتين من الأندلس، وقطعتين من العراق، وقطعتين من تونس، وقطعة واحدة من المغرب.
هذه الأرقام تحول قاعة العرض إلى ما يشبه خريطة.
ليست خريطة للحدود السياسية، وإنما خريطة للحرفة والجمال والتأثير.
فكل منطقة طورت أساليبها وأشكالها وألوانها، وفي الوقت نفسه لم تكن هذه البيئات الثقافية معزولة عن بعضها.
وهكذا، حين تقف قطع من مناطق مختلفة جنبًا إلى جنب، تستطيع العين أن تبحث عن الاختلاف، لكنها تستطيع أيضًا أن تبحث عن الحوار بينها.
من الطين إلى اللون
صناعة الخزف ليست مجرد تشكيل للطين.
إنها سلسلة من العمليات التي تتطلب معرفة وخبرة: تشكيل القطعة، وتجفيفها، وحرقها، ثم التعامل مع سطحها من خلال الطلاء أو التزجيج والزخرفة وفق التقنية المستخدمة.
ولهذا تحتفظ القطعة الخزفية بأثر الحرفة التي صنعت بها.
فالسطح اللامع ليس مجرد تفصيلة جمالية، واللون ليس دائمًا مجرد اختيار زخرفي، وطريقة ظهور الزخرفة ليست منفصلة عن التقنية التي أتاحت ظهورها.
ويضم المتحف نماذج من الخزف المزجج والخزف المزخرف تحت التزجيج، إلى جانب قطع تحمل زخارف نباتية وهندسية وأشكال آدمية وحيوانية وكتابات.
وهنا يتحول الخزف إلى وثيقة تقنية.
فهو يخبرنا ليس فقط بما كان الفنان يريد أن يراه الناس، وإنما أيضًا بما كان يستطيع أن يصنعه.
عندما يصبح الاستخدام فنًا
الإناء في بدايته له وظيفة. يحفظ شيئًا. ينقل شيئًا. يُستخدم على المائدة. لكن الخزاف لم يتركه في حدود الوظيفة.
السطح أصبح مساحة للإبداع. ظهرت عليه النباتات والأشكال الهندسية والكتابات والرسوم وتنوعت الألوان والتكوينات.
وهكذا أصبح الشيء الذي يؤدي وظيفة يومية قادرًا في الوقت نفسه على التعبير عن ذوق صاحبه وصانعه. وهذه إحدى أهم نقاط قوة الخزف الإسلامي: الجمع بين المنفعة والجمال.
عندما تتحدث القطعة عن المكان
الاختلاف بين الخزف المصري والتركي والإيراني والسوري ليس مجرد اختلاف في الاسم. إنه اختلاف في البيئات الفنية والتقنيات والتقاليد. ولهذا فإن تصنيف المجموعة بحسب مناطق الإنتاج يتيح للزائر أن يرى كيف يمكن للخامة نفسها أن تنتج أشكالًا متعددة من الجمال.
الخزف لا يحكي عن الفن فقط
عندما تنظر إلى إناء قديم، تستطيع أن تسأل عن أكثر من الفنان الذي صنعه. يمكنك أن تسأل عن الإنسان الذي استخدمه. كيف كان يقدم الطعام؟ ما الأشياء التي كانت مهمة بالنسبة له؟ ما الزخارف التي كانت تجذب عينه؟ هل كان الإناء للاستخدام اليومي أم لمناسبة خاصة؟ هل كان يحمل وظيفة عملية أم زخرفية؟ وهذه الأسئلة تجعل الخزف مصدرًا لقراءة الحياة الاجتماعية لا تاريخ الفن وحده.
الخزف.. حين تدخل التكنولوجيا إلى الفن
من أكثر الأشياء التي تستحق التأمل أن جمال القطعة لم يكن ممكنًا دون معرفة تقنية. اللون يحتاج إلى مادة وطريقة تطبيق وحرق مناسبة واللمعان يحتاج إلى تقنية والسطح المتجانس يحتاج إلى مهارة والزخرفة تحتاج إلى يد تعرف كيف تتعامل مع المادة قبل أن تدخل النار وبعدها. لهذا فإن تاريخ الخزف هو أيضًا تاريخ للتجريب. الخزاف لا يرسم فقط. إنه يختبر المادة ويعرف كيف تتصرف تحت الحرارة ويتعلم من نجاح التجربة وفشلها. ومع مرور الزمن تتحول التجارب الفردية إلى تقنيات متوارثة ثم تنتقل المعرفة من جيل إلى آخر.

