حين كنت طفلًا ثم صبيًا، علموني وأبناء جيلي في المدرسة أن الملك فاروق كان ملكًا فاسدًا يشرب الخمر ويجري وراء النساء ويلعب القمار، وخان قضية فلسطين بتزويد الجيش بأسلحة فاسدة، وأنه ليس مصريًا، وأن الزعيم جمال عبد الناصر هو أول مصري يترأس مصر. ترسخت هذه القناعات في رأسي ورؤوس أبناء جيلي، ونظرت إلى عبد الناصر نظرة إكبار وتبجيل، بخاصة أني رأيت موكبه مرارًا وهو يسير في عربة مكشوفة برفقة زعماء العالم في شارعي مصر والسودان (شارع ملك مصر والسودان سابقًا) متوجهين إلى قصر القبة.

إلا أن تساؤلًا ملحًا كان يدور برأسي: إذا كان عبد الناصر هو أول رئيس للجمهورية، فمن يكون اللواء محمد نجيب الذي كنا نهتف له في الشارع قائلين: “يا محمد يا نجيب يا حتة سكرة، خربت بيت فاروق والشمعة منورة”.

كبرت ودخلت الجامعة وتخرجت، وتوسعت في القراءات الحرة. قرأت لمحمد نجيب “كنت رئيسًا لمصر” وللمؤرخ العسكري جمال حماد “أسرار ثورة 23 يوليو” ولسامي جوهر “الصامتون يتكلمون” و”مذكرات عبد اللطيف البغدادي” و”أوراق يوسف صديق” تحرير د. عبد العظيم رمضان و”الآن اتكلم” لخالد محيي الدين و”حسين الشافعي .. شاهد على ثلاثة عصور” لصلاح الإمام و”باشوات وسوبر باشوات” للدكتور حسين مؤنس وعشرات أخرى من الكتب التي تناولت أحداث ما قبل وبعد 23 يوليو.

هذه القراءات غيرت كثيرًا من القناعات التي أدخلتها كتب التاريخ المدرسية في رأسي. أدركت أن التاريخ يكتبه المنتصر ويروي ما يشاء من حكايات لا يمت كثير منها للواقع بصلة. وتساءلت: هل كانت 23 يوليو ثورة أم انقلابًا؟

راجعت صحف ما بعد 23 يوليو فوجدتها تسميها حركة الجيش أو الحركة المباركة، وكان عميد الأدب العربي د. طه حسين هو أول من أطلق عليها مسمى ثورة.

أعود إلى السؤال: هل كانت 23 يوليو ثورة أم انقلابًا؟

إن الثورة تختلف جذريًا عن الانقلاب؛ فالثورة يطلقها الشعب لإحداث تغيير جذري وشامل في البلاد سياسيًا واجتماعيًا واقتصاديًا، بينما الانقلاب تقوم به فئة أو مجموعة من داخل السلطة أو الجيش وغالبًا ما يغير رأس وطبيعة الحكم فقط.

وقد حاول قادة 23 يوليو إضفاء الشعبية على حركتهم فأعلنوا عن ستة مبادئ جميلة لتكون بمثابة دستور موجز لأهدافهم:.

  • القضاء على الاستعمار وأعوانه لتحقيق الاستقلال التام والتخلص من التدخل الأجنبي.
  • القضاء على الإقطاع لإنهاء احتكار الأراضي الزراعية وتوزيعها على صغار الفلاحين.
  • القضاء على الاحتكار وسيطرة رأس المال على الحكم لمنع استغلال الثروات والتحكم في مقدرات الدولة.
  • إقامة جيش وطني قوي لبناء قوة عسكرية قادرة على الدفاع عن البلاد وحماية سيادتها.
  • إقامة عدالة اجتماعية لتوزيع الثروات بشكل منصف وتقليص الفوارق بين الطبقات.
  • إقامة حياة ديمقراطية سليمة لبناء نظام سياسي يعبر عن إرادة الشعب.

مبادئ ست جميلة، لكن الحقيقة أن مصر استبدلت في 23 يوليو ملكًا واحدًا بنحو 11 ملكًا آخر واستبدلت بالإقطاعيين والسياسيين التقليديين ضباطًا أكثر جشعًا للسلطة والمال نهبوا القصور الملكية وقصور الإقطاعيين ووضعوا رجالهم الثقة في كافة قطاعات الحياة فأفسدوها وحولوا مصر إلى عزبة لهم وللمقربين منهم. أما النظام السياسي فحولوه من نظام ديمقراطي حزبي يقوم على تعدد الآراء إلى نظام الصوت الواحد فلا رأي سوى رأي الزعيم. وحين حاول محمد نجيب ويوسف صديق إقناعهم بترك الحكم للمدنيين اعتقلوهما وحددت إقامة الأول وسجن الثاني ثم حددت إقامته وحكم على عبد المنعم عبد الرءوف بالإعدام لكنه استطاع الهرب من مصر. وكانت نتيجة الصوت الواحد فضيحة حرب اليمن وكارثة حرب 1967م التي أطلقوا عليها “نكسة”.

قالوا لنا إن الملك كان فاسدًا وخمورجي ومقامر يجري وراء شهواته. وكشف حوار أجراه الزميل محمد عبد الغفار ونشرته “أحداث اليوم” في 7 إبريل 2013م مع الحارس الشخصي للملك فاروق اللواء د. عبدالمنعم جنيد كذب هذه الادعاءات. وللعلم اللواء د. الجنيد ظل بمصر بعد رحيل الملك واختاره الرئيس جمال عبدالناصر لكفاءته للعمل في منظمة الشباب والأمانة العامة للاتحاد الاشتراكي التنظيم السياسي الوحيد وصعد نجمه معه ولم يستبعده لأنه من رجال العهد البائد. ولنفس الكفاءة اختاره الرئيس السادات للعمل معه حتى طلب منه العمل في السلك الجامعي ليصل بكفاءته وعلمه إلى منصب عميد كلية التجارة جامعة طنطا.

فبماذا وصف اللواء د. جنيد الملك فاروق؟

اقتبس هنا نصّاً مما قاله في الحوار واصفاً الملك فاروق: “كان رجلًَا نبيلًَا متواضعًَا للغاية، وللحقيقة والتاريخ كما رأيت وشاهدت كان رجلًَا وطنيًَا جدًا أحب مصر وأحب شعبه.. كان رجلًَا شرقيًّا متدينًَا يؤدى الصلاة ولم يتاجر بإيمانه ولا تدينه.. لا تصدقوا ما قيل عنه.. كان يهتم بالحفلات الدينية ويقيم مقرأة للقرآن الكريم فى شهر رمضان بقصر عابدين.. والغريب أنه كان يحب شهر رمضان جدًا ويطعم الفقراء.. هذا رأيته بنفسي.. لم يشرب الخمور ولم يعشق النساء كما قالوا.. كانت تسليته الوحيدة أن يذهب إلى نادى السيارات ويلعب الكارت للتسلية فقط… والذى لا يعرفه أحد عن الملك فاروق أنه ابن نكتة وله قفشات مثل أي مصري ابن بلد وخفيف الظل إلى أبعد درجة وكان يتحدث معنا بسلاسة.”

وعن إمكانية مقاومة الملك لحركة الجيش فى 23 يوليو؟ قال اللواء د. جنيد:”نعم كان يمكنه أن يجهضها وسأحكي لك بالتفصيل كيف حافظ الملك على دماء المصريين… فوجئنا بحصار من بعض قوات الجيش بقيادة الصاغ (الرائد) الإخوانى عبدالمنعم عبدالرءوف لقصر رأس التين… الحرس الملكى كان قوة مهولة رفضوا هذا الحصار وقرروا التعامل مع قوات حركة 23 يوليو وقتالهم وإبعادهم عن القصر… قام اثنان من ضباط الحرس الملكى الأول اليوزباشى محمد أحمد صادق الذى أصبح فى عهد الرئيس جمال عبدالناصر رئيسا لأركان حرب القوات المسلحة وفريق أول لاحقاً واليوزباشى عبدالمحسن كامل مرتجى الذى صار بعد ذلك قائد القوات البرية ورئيس النادى الأهلى لسنوات طويلة… وبالفعل اشتبكا مع قوات الثورة وأطلقا النيران وهنا تتجلى وطنية الملك فاروق حينما أصدر تعليماته الفورية إلى اللواء النجومى باشا ياور الملك بأن يذهب إليهم ويأمرهم بعدم الاعتداء على أي مصرى وعدم إراقة دمائهم أبدًَا وقد رفض تماماً إطلاق النيران وأنا شاهد عيان لما حدث.”.

وإجابة لسؤال حول إمكانية أن يكون هذا الموقف نتيجة خوف الملك على نفسه وعلى أسرته؟ قال:”الملك فاروق كان شجاعاً ولم يكن جباناً قط ولم يكن الجيش كله ضده كما يتصور البعض… كانت هناك قطاعات من الجيش معه والسلاح البحرى بقيادة سليمان عزت كان ولاؤه الكامل للملك ولكن الملك رفض أن يتقاتل الجيش المصرى وضحى بعرشه من أجل الحفاظ على دماء المصريين وهذه وطنية وتضحية كبيرة منه.. والذى لا يعرفه أحد وأقوله بضمير مستريح أنه رفض تماماً المساعدة من أي دولة أجنبية ومستشار السفارة الإنجليزية حضر إليه صباح يوم الثورة للمساعدة ولكن الملك أبى مجرد فتح هذا الموضوع ورفض تماماً.. هذا الرجل كما رأيت حافظ على مصر وعلى المصريين.”

بعيداً عن شهادة اللواء د. جنيد أكشف هنا عن مشروعات إصلاحية وضعها الملك فاروق ونسبها قادة 23 يوليو لأنفسهم؛ فقانون الإصلاح الزراعي وضع خلال عهده ففي أربعينيات القرن العشرين أطلق مشروعاً رائداً ومحدوداً للإصلاح الزراعي تم خلاله توزيع أراضٍ مستصلحة من أملاك الدولة على نحو 600 أسرة من صغار الفلاحين المعدمين بحيث حصلت كل أسرة على خمسة أفدنة بالإضافة إلى مسكن صحي ومواشي…. كما شهد البرلمان المصري عهده إعداد مسودة مشروع قانون للإصلاح الزراعي إلا أن هذا المشروع ظل حبيس الأدراج نظراً لمعارضة القوى السياسية الكبرى وكبار الإقطاعيين والباشوات الذين كانوا يسيطرون على البرلمان حتى صدر بعد 23 يوليو وباسم الملك الصغير أحمد فؤاد الثاني وليس باسم الضباط.”>“>“>“>“>“>“>“>.


في 9 سبتمبر عام 1952 صدر مرسوم بقانون رقم (178) لسنة (1952) بالإصلاح الزراعي وقد كتب فيه باسم حضرة صاحب الجلالة ملك مصر والسودان هيئة الوصاية المؤقتة.


ومن الأكاذيب التي روج لها أيضًا أن مجانية التعليم بدأت بعد 23 يوليو والحقيقة أن إقرار مجانية التعليم تم فعلياً في عهد الملك فاروق حيث أصبح التعليم الابتدائي مجانيًّ عام (1944) بقرار وزير المعارف آنذاك أحمد نجيب الهلالي باشا وفي عام (1950) أقر د.طه حسين وزير المعارف مجانية التعليم الثانوي وأطلق مقولته الشهيرة “التعليم كالماء والهواء”.


هذه بعض الحقائق التي أردت توضيحها ليس كراهةً في شخص عبد الناصر ورفاقه أو دفاعا عن العهد الملكي ولكن لإيضاح الحق وتصحيح تاريخ كتبه المنتصر ولولا تخوفي من ملل القارئ لطول المقالة لذكرت المزيد ويبقى التاريخ الحقيقي معتمدًا على شهادات وكتابات المخلصين الذين عاشوا الحدث واستوعبوه وليس على ما يلقن به الحكام شعوبهم.


وهذه شهادتي للناس والتاريخ فتزوير التاريخ جريمة لا تسقط بالتقادم.