في إطار سلسلة 200 عام على إنشاء قصر العيني، وبمناسبة اقتراب الاحتفال بمرور 200 عام على تأسيسه، أعلن قصر العيني عن إصدار سلسلة مقالات أسبوعية تروي حكايات تأسيس أول مدرسة للطب في مصر.
العصر الذهبي لقصر العيني في عهد الخديوي إسماعيل
تستمر فصول مسيرتنا التاريخية الممتدة عبر مائتي عام في رصد محطات المجد والريادة التي جعلت من قصر العيني محركًا أساسيًا للنهضة الطبية؛ فمع تولي الخديوي إسماعيل مقاليد الحكم في مصر، دخلت المدرسة الطبية عصرًا ذهبيًا استعادت فيه مجدها الغابر وتعاظم فيه دورها كقوة ناعمة لمصر في المنطقة.
بناءً على النصائح والتوجيهات الطبية السديدة، أسند الخديوي رئاسة مدرسة طب قصر العيني إلى أحد أبرز نوابغ الرعيل الأول، الطبيب المشهور والجراح الماهر الدكتور محمد علي باشا البقلي، الذي استمر في قيادة هذه المنارة العلمية بكفاءة واقتدار من عام 1863 حتى عام 1876.
ولم تقتصر حدود هذا العصر الذهبي على توطين العلم محليًا، بل تحول قصر العيني إلى قبلة وملجأ لطلاب العلوم الطبية من مختلف الأقطار العربية، مدشنًا حقبة استثنائية من الدبلوماسية التعليمية والروابط الإقليمية الوثيقة.
وقد تجلت هذه الريادة الإقليمية في أبهى صورها من خلال الصلات الطبية التاريخية بين مصر وبلاد الشام، والتي تعود جذورها الأولى إلى عام 1828 في عهد محمد علي الكبير، حين أرسل البطريرك يوسف اسطفان بعثة لتلقي العلوم الطبية في المدرسة المصرية عندما كانت مستقرة في “أبو زعبل” قبل انتقالها إلى قصر العيني.
وتواصل هذا المد المعرفي في عام 1837 بإرسال الأمير بشير الشهابي، حاكم لبنان، بعثة طلابية إلى قصر العيني ضمت أعلامًا بارزين كغالب الخوري العقلني والجراح إبراهيم النجار ويوسف الجلخ ويوسف لطيف وسليم ملوك. تأكيدًا على هذا الدور الأخوي، أمر الخديوي إسماعيل بتعليم عشرة من الطلاب السوريين بالمجان استجابةً للطلب الذي تقدم به الراهب اللبناني راميا نجم عام 1863 لمنح أهل لبنان عشرة مقاعد في قصر العيني؛ حيث ضم الفوج الأول طلابًا نابغين مثل فارس نجم والشيخ شيبان الخازن وميلاد صغير وإبراهيم صافي وسليمان أبي اللمع، وتبعه الفوج الثاني عام 1867 بضم شاكر الخوري وإلياس المر ونقولا لويس ليمثل هؤلاء الأعلام طوال القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين المرجع الطبي الوحيد لأبناء سوريا ولبنان متسلحين بالعلوم التي نهلوها من قصر العيني قبل تأسيس جامعات بيروت والشام.
ولم يكن التميز المؤسسي في هذا العقد مقصورًا على رعاية الطلاب الوافدين، بل امتد ليشمل البنية التعليمية والإعلامية للمدرسة؛ إذ تميزت الحقبة بتمصير الطاقم التدريسي حيث بات جميع الأساتذة البالغ عددهم عشرين أستاذًا مصريين باستثناء أستاذ واحد فقط.
كما حظيت المدرسة بمجلة أسبوعية متخصصة تولت نشر أحدث المعلومات والمبتكرات الطبية العالمية جنبًا إلى جنب مع ما تقدمه المجلات العلمية الدولية.
وفي قلب هذا الازدهار برزت شخصية رئيس المدرسة البقلي باشا وهو خريج الدفعة الأولى لمدرسة الطب وعضو بعثتها الأولى إلى فرنسا كجراح ذائع الصيت بلغت شهرته الطبية آفاق الشرق الأدنى واليونان والأستانة وعُرف عالميًا بمؤلفه العلمي المرجعي عن “مرض الفيل” الذي طُبع في العاصمة الفرنسية باريس عام 1862.
وتوجت هذه المسيرة الحافلة بالبذل والعطاء بملحمة وطنية وإنسانية كبرى؛ فمع اندلاع الحرب بين مصر والحبشة في عهد الخديوي إسماعيل لم يتردد البقلي باشا في التطوع لخدمة الجيش المصري مسافرًا بصحبة الأمير حسن باشا ليتولى الإشراف الطبي المباشر في ميدان القتال.
وهناك جسد رئيس قصر العيني أسمى معاني التفاني والواجب المهني بسره المتواصل على صحة وسلامة الجنود المصابين نال تقدير واحترام مصر بأسرها حتى استشهد ودفن في أرض الحبشة في نفس العام مسطرًا بدمائه ختامًا بطوليًا لرحلة عالم مصري فذ تظل سيرته وسيرة المؤسسة التي قادها محفورة بمداد من نور في سجل الخلود الطبي العربي.

